التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ٤١-٤٢)مصدر غير محدد٢٢/٤١ وابن كثير (٧/ ٢٦٥)مصدر غير محدد٧/٢٦٥ والقرطبي (١٦/ ١٤٠)مصدر غير محدد١٦/١٤٠: فلما قابل فرعون وقومه دعوة موسى ولطفه واعتزاله بالاستكبار والتهديد والتآمر على قتله واستئصال بني إسرائيل، وانقطعت كل سبل الهداية معهم، لجأ موسى عليه السلام إلى قاضي القضاة ورب الأرباب متضرعاً وشاكياً ومستنصراً: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَٰؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ}؛ أي: يا رب إن هؤلاء قوم قد تمكن فيهم الإجرام ورسخ فيهم الطغيان فلا يرجى منهم فلاح ولا إيمان، فأنزل بهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
{فَدَعَا}: الدعاء هنا هو الاستنصار والشكوى وطلب الفصل الإلهي العادل.
{مُجْرِمُونَ}: مأخوذ من الجُرم، وهو قطع الخير وارتكاب الشر العظيم؛ والوصف بالجملة الاسمية يدل على رسوخ الإجرام في طبائعهم.
الإعراب الدقيق:
{فَدَعَا}: الفاء عاطفة تفيد السببية والتعقيب، دعا: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على موسى عليه السلام.
{أَنَّ}: حرف توكيد ونصب مشبه بالفعل، وفُتحت همزتها لأنها وما دخلت عليه في تأويل مصدر بحذف حرف الجر (أي: دعا ربه بأن هؤلاء قوم مجرمون).
{هَٰؤُلَاءِ}: الهاء للتنبيه، أولاء: اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسم أن.
{قَوْمٌ}: خبر أن مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مُجْرِمُونَ}: نعت لـ (قوم) مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف متعلق بالفعل (دعا).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اللجوء إلى التحكيم الإلهي بعد استنفاد البلاغ: جاءت الفاء في {فَدَعَا} لتدل على سرعة لجوء موسى لربه بمجرد أن رأى إصرارهم وتماديهم في الإجرام؛ فكان هذا الدعاء بمثابة الإعلان النهائي لانتهاء مرحلة الإعذار وحلول موعد العقاب والهلاك.
التمهيد المباشر لأمر السرى في الآية التالية: ما إن دعا موسى حتى جاءه الجواب الإلهي الفوري الحاسم: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مشروعية الدعاء على الطغاة المصرين على الإجرام:
الأنبياء رحماء بأممهم، ولكنهم إذا تيقنوا أن الطغيان بلغ منتهاه وأنه أصبح حجاباً يمنع الناس من الهدى ويستأصل المؤمنين، صار الدعاء على المجرمين واجباً لحماية المستضعفين وتطهير الأرض من الفساد؛ كما دعا نوح: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا}، وكما دعا موسى هنا وفي سورة يونس: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ}.
تحويل الشكوى إلى الله: موسى لم يشتكِ للناس ولم يطلب عوناً بشرياً، بل رفع قضيته مباشرة لرب العالمين.
الإيجاز في صياغة الدعاء: حذف نص الدعاء بالهلاك واكتفى بوصف العلة {أَنَّ هَٰؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ}؛ وذلك منتهى الأدب مع الله؛ فمجرد بيان حالهم لربهم كافٍ في استنزال النقمة عليهم دون حاجة لتفصيل كيف يعذبهم ربه.
الإشارة بـ {هَٰؤُلَاءِ}: للتحقير وتجسيد الحضور؛ هؤلاء المستكبرون أمامك يا رب تراهم وتعلم إجرامهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سلاح الدعاء في معركة الحق والباطل: الدعاء هو الملاذ الحاسم للمظلومين؛ وإذا انقطعت الحيل الأرضية فُتحت أبواب السماء لدعاء الصادقين.
الحذر من بلوغ حد الإجرام: العبد يحذر من التمادي في المعاصي لئلا يُسجل عند الله في عداد (القوم المجرمين) الذين حقت عليهم كلمة العذاب.