التوجيه بالمأثور: أخرج ابن جرير الطبري (٢٢/ ٧٩)مصدر غير محدد٢٢/٧٩ عن مجاهد وقتادة في قوله تعالى: {كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ}: أي كما أنعمنا عليهم بالمسكن والملبس والمجلس، كذلك قرنّاهم وأكرمناهم بزوجات حسان من الحور العين. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الحور: جمع حوراء، وهي الشابة الحسناء البيضاء النقية التي يحار فيها الطرف، والعين: جمع عيناء، وهي واسعة العين الجميلة نجلاء الطرف. وفي صحيح البخاري (٣٢٤٥) وصحيح مسلم (٢٨٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر... لكل امرئ منهم زوجتان من الحور العين، يُرى مخ سوقهما من وراء العظم واللحم من الحسن.
توجيه القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على قراءة: {كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ}، بكسر التنوين في (بحورٍ عينٍ).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{كَذَٰلِكَ}: الكاف حرف تشبيه، وذا اسم إشارة، واللام للبعد، والكاف للخطاب.
{زَوَّجْنَاهُمْ}: التزويج هنا بمعنى القَرْن والجمع؛ زوّج الشيء بالشيء قرنه به وجعلهما زوجاً، وليس هو عقد النكاح الوضعي الدنيوي المفتقر إلى الولي والشهود.
{بِحُورٍ}: الحَوَر: شدة بياض العين مع شدة سوادها واستدارتها، والحوراء المرأة الشديدة البياض مع شدة سواد الحدقة.
{عِينٍ}: جمع عَيْناء، وهي المرأة الواسعة العينين في تناسق وجمال باهر.
الإعراب الدقيق:
{كَذَٰلِكَ}: شبه الجملة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: الأمر كذلك، أو العطاء كذلك؛ أو في محل نصب مفعول مطلق لفعل محذوف.
{وَزَوَّجْنَاهُمْ}: الواو عاطفة، زوّجنا فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع نا، ونا ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به أول، والميم للجمع.
{بِحُورٍ}: الباء حرف جر للمصاحبة أو الإلصاق أو لتعدية الفعل كـ (قرناهم بحور)، حورٍ اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور في محل نصب مفعول ثانٍ أو متعلقان بالفعل زوجناهم.
{عِينٍ}: نعت لـ (حور) مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتمة منظومة النعيم:
جاءت نعمة الأزواج الحسان تتويجاً لنعيم المسكن والملبس والمأكل؛ إذ كمال الأنس البشري وسكون النفس إنما يتحقق بالاقتران بالزوجة الصالحة الجميلة في دار السلام.
كلمة {كَذَٰلِكَ}:
فاصلة بلاغية تعني: مثل ذلك الإكرام البالغ الذي وصفناه من المقام الأمين والجنات واللباس، أكرمناهم وقرناهم بالحور العين، تأكيداً على أن الإكرام الإلهي متواصل ومتتابع الألوان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
الإشكال: لماذا عُدّي الفعل بالباء {وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ} ولم يُعدّ بنفسه كما في قوله {زَوَّجْنَاكَهَا}؟
المحاكمة والبيان:
بيّن المحققون من علماء اللغة والتفسير (كالزمخشري وأبي حيان وابن عاشور) أن التعدية بالباء تفيد معنى القرن والاقتران والجمع؛ أي قرناهم بهن وجعلناهم أزواجاً، بخلاف قوله (زوجناكها) الذي يراد به عقد النكاح الشرعي.
هذا الاستعمال يؤكد أن العلاقة في الجنة مبنية على التوافق والاقتران الأزلي الرفيع الذي لا يعتريه طلاق ولا انفصال ولا ملل، بل مودة دائمة وألفة أبدية.
الإيجاز بالحذف والإشارة في {كَذَٰلِكَ}: إشارة فخمة تملأ النفس شعوراً بعظمة العطاء الإلهي المتجدد.
التعبير بـ {حُورٍ عِينٍ}: قمة الجمال في العيون؛ لأن العين هي مرآة الروح وموطن الجاذبية الأولى، والوصف بالحور والسعة يجمع بين كمال البهاء والحياء والعفة: {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ}.
التكريم الإلهي الصريح: إسناد الفعل إلى نون العظمة الإلهية {وَزَوَّجْنَاهُمْ} يشعر المتقين بأن أزواجهم عطية ربانية خاصة وهدية من الخالق الكريم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غض البصر وصيانة العفة: من حفظ بصره وفرجه عن الحرام في الدنيا عوّضه الله بالحور العين اللاتي لا يندثر حسنهن ولا ينتهي دلالهن وجمالهن.
بناء البيت المسلم على المودة: الاستلهام من هذا النعيم الرباني أهمية المودة والاقتران القائم على طاعة الله؛ فإن الزوجين المؤمنين يجمعهما الله في الجنة على أتم حال وأكمله.