التوجيه بالمأثور: أخرج ابن جرير الطبري (٢٢/ ٨١)مصدر غير محدد٢٢/٨١ عن قتادة ومجاهد وابن عباس في قوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىٰ}: أي لا يذوقون في الجنة الموت أبداً سوى الموتة التي ذاقوها في الدنيا وانتقلوا بها إلى البرزخ. وفي الصحيحين (البخاري ٤٧٣٠، ومسلم ٢٨٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري وابن عمر رضي الله عنهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة! فيشرئبون وينظرون، ويقال: يا أهل النار! فيشرئبون وينظرون، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه. فيُذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}. وقوله: {وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ}: أي حفظهم الله برحمته وفضله من أن يمسهم لفح النار أو يذوقوا شيئاً من عذابها.
{وَوَقَاهُمْ}: الواو عاطفة أو حالية، وقى فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود على الله تعالى، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به أول، والميم للجمع.
{عَذَابَ}: مفعول به ثانٍ منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو مضاف.
{الْجَحِيمِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج نعم الجنة بنعمة الخلود:
بعد أن فصّل الله تعالى ألوان النعيم من المسكن والمجلس والملبس والأزواج والطعام، أردف ذلك بضمانة البقاء والخلود الدائم؛ لأن أطيب النعم إذا علم صاحبها أنها ستنتهي بالموت ضاق بها ذرعاً، فنفى الله عنهم الموت مؤكداً دوام النعيم.
عطف الوقاية من الجحيم:
الجمع بين حصول المطلوب (الخلود في النعيم) والنجاة من المرهوب (عذاب الجحيم)، لتتم السعادة من طرفيها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
الإشكال المشهور في الاستثناء: كيف قال {إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىٰ} والموتة الأولى كانت في الدنيا وليست في الجنة، والاستثناء يقتضي إخراج ما لولاه لدخل في الكلام؟
المحاكمة والبيان:
هذا الاستثناء عند جهابذة المفسرين والنحاة (كسيبويه والكسائي والطبري والزمخشري) على وجهين فصيحين:
١. استثناء منقطع؛ بمعنى لكن: أي لا يذوقون فيها موتاً البتة، لكن الموتة الأولى قد ذاقوها في الدنيا ومضت وانقضت.
٢. استثناء متصل على تضمين الكلام معنى الزمن؛ أي: لا يذوقون فيها الموت في أي وقت إلا الموتة الأولى التي ذاقوها سابقاً، كقول الشاعر: (ليس به عيب سوى أنه لا تقع العين على مثله)؛ وهو أسلوب تأكيد المدح بما يشبه الذم، فنفي الموت هنا نفي مؤكد ومطلق، فكأنه قيل: إن كان ثمة موت يذوقونه فليس إلا موتتهم الماضية، وحيث إن الماضية لا تتكرر، فالموت مستحيل عليهم أبداً.