روى الطبري (٢٢/ ١٣-١٦)مصدر غير محدد٢٢/١٣ وابن كثير (٧/ ٢٥٦)مصدر غير محدد٧/٢٥٦ والقرطبي (١٦/ ١٢٩-١٣٠)مصدر غير محدد١٦/١٢٩ بأسانيدهم عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر ومجاهد وقتادة والحسن البصري والسدي: في هذه الليلة المباركة (ليلة القدر) يُفصل ويُبيّن ويُقدّر ويُكتب من اللوح المحفوظ إلى صحف الملائكة الكرام ما يكون في تلك السنة من أحداث وقضاء مبرم: من يولد، ومن يموت، ومن يعز، ومن يذل، وتقدير الأرزاق والأقوات والأمطار، حتى إن الرجل ليفرش الفراش ويزرع الزرع وإنه لفي عداد الأموات عند الملائكة في صحف تلك السنة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يُفْرَقُ}: الفَرق: الفصل والتمييز بين الشيئين؛ ويُفرق هنا: يُفصل ويُفرد ويُقضى قضاءً محكماً.
{حَكِيمٍ}: فعيل بمعنى مفعول (مُحكم) لا تبديل فيه ولا فساد ولا اضطراب، أو ذو حكمة بالغة في غايته وتدبيره.
{يُفْرَقُ}: فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله (مبني للمجهول) مرفوع بالضمة الظاهرة.
{كُلُّ}: نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{أَمْرٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{حَكِيمٍ}: نعت لـ (أمر) مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجملة مستأنفة أو صفة ثانية لـ (ليلة).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تعليل بركة الليلة: الآية تكشف سبب وصف تلك الليلة بـ {مُبَارَكَةٍ} في الآية السابقة؛ فبركتها تكمن في شرف نزول القرآن فيها، وفي أنها الوقت الزمني الذي تتنزل فيه مقادير العام محكمة وتُدفع إلى الملائكة لإنفاذها بأمر الله.
التمهيد لبيان مصدرية الأمر في الآية التالية: أثبت أن الأمر حكيم، ثم بيّن مباشرة أنه {أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير مراتب القدر الإلهي والتوفيق بين الأزل والتقدير السنوي:
الشبهة: كيف يقال {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ} وقد ثبت أن المقادير قد كُتبت قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة كما في صحيح مسلم؟
المحاكمة العقدية لأهل السنة: مراتب كتابة القدر أربع متكاملة لا تعارض بينها:
١. الكتابة الأزلية العامة في اللوح المحفوظ: وهي سابقة على خلق الأكوان، لا تبديل فيها ولا تغيير.
٢. التقدير العُمري: حين يُرسل الملك إلى الجنين في بطن أمه فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد.
٣. التقدير السنوي: في ليلة القدر من كل عام؛ حيث يُفصل ويُنسخ من اللوح المحفوظ إلى الملائكة الحفظة والمدبرات أمراً ما سيقع في عامهم ذلك.
٤. التقدير اليومي: قوله تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}؛ بإحياء وإماتة وعز وإذل وعطاء ومنع وفق ما سبق به القدر السنوي والعمري والأزلي.
بناء الفعل للمجهول {يُفْرَقُ}: للإشعار بعظمة الفاعل الحقيقي وهو رب العزة جل جلاله؛ فالأمر جليل لا يملكه إلا ملك الملوك.
استغراق العموم التام بـ {كُلُّ}: إفادة أن أدق تفاصيل الأحداث الكونية من ذرات وحركات وأرزاق وأعمار مقضية محكمة في ذلك التقدير.
وصف الأمر بـ {حَكِيمٍ}: التنبيه على أن كل ما يقضيه الله في كونه جارٍ على وفق الحكمة البالغة والعدل التام، وإن خفيت حكمته على عقول بعض البشر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اللجوء إلى الله بالدعاء في ليلة القدر: إذا علم المسلم أن مقادير العام تُكتب وتُفصل في تلك الليلة، أقبل على ربه بالدعاء والإلحاح بأن يكتبه في السعداء المقبولين، وأن يدفع عنه البلاء؛ فالدعاء يرد القدر بإذن الله.
الرضا بالقضاء والقدر: التسليم التام بأن كل ما يجري في الكون جارٍ بأمر حكيم لا عبث فيه ولا ظلم.