روى الطبري في جامع البيان (٢٢/ ٤٤-٤٧)مصدر غير محدد٢٢/٤٤ وابن كثير في تفسيره (٧/ ٢٦٥-٢٦٦)مصدر غير محدد٧/٢٦٥ والقرطبي (١٦/ ١٤١-١٤٣)مصدر غير محدد١٦/١٤١ عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي: لما انتهى موسى ببني إسرائيل إلى شاطئ البحر الأحمر وتراءى الجمعان، ضرب موسى البحر بعصاه بأمر الله فانفلق البحر اثني عشر مسلكاً يبساً، ووقف الماء كالجبال العظيمة، وعبر موسى وقومه سالمين؛ فلما خرج آخرهم وأراد موسى أن يضرب البحر بعصاه ليعود كما كان خوفاً من أن يتبعه فرعون وجنوده، أمره الله تعالى قائلاً: {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا}؛ أي دعه على حالته منفتحاً ساكناً قاراً طريقاً يابساً سهلاً، ولا تضربه، ليدخل فرعون وجنوده في غمرة طمعهم وغرورهم؛ {إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} قد قضى الله وحكم عليهم بالغرق واستئصال شأفتهم جميعاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{وَاتْرُكِ}: الترك: الإبقاء على الشيء وتخليته وعدم تغييره.
{رَهْوًا}: الرهو في كلام العرب له معانٍ متقاربة: الساكن المقيم، والطريق المنفرج الواسع، والمنخفض بين المرتفعين؛ وقال ابن عباس ومجاهد: ساكناً كما هو. وقال قتادة: طريقاً يابساً منفرجاً.
{مُغْرَقُونَ}: اسم مفعول من أغرق؛ أي محكوم عليهم بالغرق المحتوم بقضاء الله وقدره.
الإعراب الدقيق:
{وَاتْرُكِ}: الواو عاطفة، اترك: فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{الْبَحْرَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{رَهْوًا}: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من (البحر) (أي كائناً على سكونه وانفراجه).
{إِنَّهُمْ}: إن حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها، والميم للجمع.
{جُنْدٌ}: خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مُغْرَقُونَ}: نعت لـ (جند) مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وجملة {إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} تعليلية للأمر بالترك.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدبير الإلهي الخفي والاستدراج القاصف: موسى عليه السلام أراد إغلاق البحر ليدفع شر فرعون عنه، ولكن الله الحكيم العليم دبر أمراً أعظم: ترك البحر مفتوحاً ليقتحم فرعون وجنوده اليم بغرورهم، حتى إذا تكاملوا فيه أطبقت عليهم الأمواج فكانت النهاية الحاسمة لملك الفراعنة؛ مما يبرهن على كمال الحكمة في تفاصيل الأقدار.
التمهيد لبيان ما خلفوه وراءهم من النعيم في الآيات التالية: لما أعلن قضاء الغرق {مُغْرَقُونَ}، شرع مباشرة في رثاء حضارتهم وزوال ملكهم: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة الاستدراج والمكر بالظالمين:
فرعون لما رأى البحر منفلقاً قال لجنوده مستكبراً: (انظروا كيف انفلق البحر بأمري لأدرك عبيدي)، فاغتر برؤية الطريق اليابس؛ وكان ذلك الانفلاق في الحقيقة فخاً ربانياً واستدراجاً قاهراً لمصرعه؛ فالطاغية يعميه غروره حتى يرى أسباب هلاكه ظاناً أنها أسباب نصره!
حتمية القضاء: وصفهم بـ {مُغْرَقُونَ} بالجملة الاسمية المؤكدة يدل على أن هلاكهم قضاء حتمي نافذ لا يتخلف.
بلاغة كلمة {رَهْوًا}: لفظة مفردة تجمع تصوير الهدوء والاتساع والاستقرار للأمواج المتوقفة كالجدران؛ لتهيئة مسرح العبور والهلاك في آن واحد.
التعبير بـ {جُنْدٌ مُغْرَقُونَ}: تنكير جند لبيان اجتماعهم على الباطل وتبعية العسكر لطاغيتهم، ووصفهم بالمغرقين لتقرير شؤم تبعية الظالمين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التسليم لتدبير الله الخفي: المؤمن قد يرى أمراً يظنه خطراً عليه، ولكن تدبير الله الحكيم يحمل في طياته الخير والنصر العظيم؛ فليرضَ العبد بما يختاره الله له.
هوان الطغاة وجنودهم: مهما تكاثرت جنود الباطل واحتشدت عساكرهم، فإنهم جند مهزومون ومغرقون أمام جند من جنود الله كالماء والريح.