التوجيه بالمأثور: أخرج ابن جرير الطبري (٢٢/ ٧٨)مصدر غير محدد٢٢/٧٨ عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}: أي في بساتين عظيمة نضرة تلتف أشجارها وتتدلى ثمارها، وتجري من تحتها عيون الماء والسلسبيل والرحيق والتسنيم. وقال ابن كثير (٧/ ٢٦٤)مصدر غير محدد٧/٢٦٤: أي هم في رياض لا تحد، وأنهار وبساتين متدفقة بالخيرات والبركات، ناعمون مطمئنون، عكس أولئك الذين أعد لهم شجرة الزقوم وعذاب الحميم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: عيون متفجرة بأنواع الأشربة اللذيذة، عيون من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى.
توجيه القراءات المتواترة:
قرأ الجمهور (نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم بحفص، وابن عامر): {وَعُيُونٍ} بضم العين على الأصل في جمع فَعْل.
وقرأ حمزة والكسائي وشعبة عن عاصم وخلف العاشر: {وَعِيُونٍ} بكسر العين لمناسبة الياء التي تليها وتسهيلاً للنطق. وهما لغتان فصيحتان مستفيضتان في كلام العرب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{جَنَّاتٍ}: جمع جَنَّة، من مادة (ج ن ن) التي تدل على الستر والتغطية؛ وسميت الجنة بذلك لأن أشجارها الكثيفة تستر الأرض وتظللها بأغصانها وأوراقها.
{عُيُونٍ}: جمع عَيْن، وهي ينبوع الماء المتدفق النابع من الأرض، وسمي بذلك تشبيهاً بعين الإنسان في صفائها ونبع مائها وشرفها.
الإعراب الدقيق:
{فِي}: حرف جر يفيد الظرفية المكانية الحقيقية.
{جَنَّاتٍ}: اسم مجرور بفي وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور بدل اشتمال أو بدل بعض من قوله {فِي مَقَامٍ أَمِينٍ}، أو في محل رفع خبر ثانٍ لـ إنّ، أو متعلقان بحال محذوفة.
{وَعُيُونٍ}: الواو حرف عطف تفيد مطلق الجمع، عيونٍ اسم معطوف على (جنات) مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل الإجمال:
قوله {فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} جاء مجملاً لوصف النعيم المطلق والأمن المستقر، ثم جاء قوله {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} تفصيلاً لبعض معالم ذلك المقام الشريف وبيئة عيشهم البهيجة.
المقابلة مع عقاب المكذبين:
هناك في سياق العذاب: سواء الجحيم وعذاب الحميم؛ وهنا في سياق الثواب: {جَنَّاتٍ} تقابل الجحيم، و{عُيُونٍ} تقابل صب الحميم المغلي! فما أدق التقابل والتناسق في النظم القرآني!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإشكال: هل نعيم الجنة محصور في الماديات من البساتين والعيون كما يزعم بعض الطاعنين؟
المحاكمة والبيان:
نصوص الوحي صريحة وقاطعة في أن نعيم الجنة يجمع بين كمال النعيم الحسي وكمال النعيم الروحي والمعنوي؛ فالبساتين والعيون متعة للأبدان ونزهة للأبصار، تعلوها لذة الرضوان الإلهي: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ}، ولذة النظر إلى وجه الله الكريم.
ذكر الجنات والعيون يخاطب الفطرة الإنسانية السليمة التي جُبلت على حب الخضرة والماء العذب المتدفق، وهو أقصى ما يتشوق إليه الإنسان في بيئته، مع الفارق الهائل بين نعيم الدنيا الزائل ونعيم الآخرة الذي لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
تنكير {جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}: تنكير يدل على الكثرة والعظمة والجمال الذي يتجاوز كل حصر وتصور بشري.
الجمع بين الخضرة والماء: الجمع بين الجنات (الظل والثمار) والعيون (الماء المتدفق العذب) يمثل أسمى درجات الجمال الطبيعي الذي تسكن إليه النفس الإنسانية وتطمئن به الأرواح.
الإشارة التدبرية: عيون الجنة تنبع للمتقين بفضل ما تفجرت به عيونهم في الدنيا من الدموع خشيةً من الله وإخباتاً لجلاله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
العمل لدار البقاء: تحفيز الهمم للعمل الصالح؛ فإن مهر الجنة بذل النفس والمال في مرضاة الله وطلب ما عنده.
الابتهاج بوعد الله: شعور المؤمن بالفرح والراحة النفسية وهو يقرأ هذا الوعد الحق، مما يسليه عن هموم الدنيا ومكارهها ويهون عليه مشاق التكليف.