التوجيه بالمأثور: أخرج الترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن جرير الطبري (٢٢/ ٧٤)مصدر غير محدد٢٢/٧٤ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله تعالى: {ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ}: إن الحميم ليُصبّ على رءوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه، وهو الصَّهْر، ثم يُعاد كما كان. وعن مقاتل بن سليمان: يضرب بمقمعة من حديد فتنشق هامته، ثم يفرغ الملك في شج رأسه ذلك الماء المغلي، فينزل في عروقه وجسده حتى يخرج من أسفله. وقال البغوي في معالم التنزيل (٧/ ٢٣٤)مصدر غير محدد٧/٢٣٤: صب الحميم فوق الرأس أبلغ في النكاية وأشد في وصول الإحراق إلى الدماغ الذي هو مركز الإحساس والتحكم في البدن.
توجيه القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على قراءة الفعل بصيغة الأمر لجماعة المخاطبين: {ثُمَّ صُبُّوا} بضم الصاد وتشديد الباء، وكسر الهاء في {رَأْسِهِ}، وإثبات الياء صلة في هاء الضمير وصلاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{صُبُّوا}: الصَّبُّ: إراقة السائل وإفراغه من علو إلى سفل بقوة؛ صب الماء يصبّه صباً.
{فَوْقَ}: اسم مكان منصوب على الظرفية يدل على العلو والارتفاع.
{رَأْسِهِ}: الرأس: أشرف أعضاء البدن ومجمع الحواس والكرامة عند الإنسان.
{مِنْ}: حرف جر، وهنا تفيد التبعيض؛ أي بعض عذاب الحميم، أو لابتداء الغاية، أو بيانية.
{الْحَمِيمِ}: الماء المغلي المتناهي في الحرارة.
الإعراب الدقيق:
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد الترتيب والتراخي المعنوي أو الرتبي، للدلالة على ارتقاء العذاب إلى طور أفظع وأشد نكاية.
{صُبُّوا}: فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
{فَوْقَ}: ظرف مكان منصوب بالفتحة الظاهرة متعلق بالفعل (صبوا)، وهو مضاف.
{رَأْسِهِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
{مِنْ}: حرف جر.
{عَذَابِ}: اسم مجرور بمن وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (صبوا) أو بحال محذوفة، وعذاب مضاف.
{الْحَمِيمِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سر الترتيب بـ {ثُمَّ}:
عطف هذا الأمر بـ {ثم} بعد {فاعتلوه} يدل على التراخي الرتبي؛ فالعتل والسحب إلى سواء الجحيم نكال عظيم، ثم الصب على الرأس عذاب متطور آخر يفوق الوصف في الإيلام، ليعلم أن العذاب ليس جرعة واحدة بل مراحل تتوالى وتتفاقم.
إحاطة العذاب من الداخل والخارج:
في الآيات السابقة عُذّب باطنه بأكل الزقوم الذي يغلي في البطون، وهنا يُعذب ظاهره بصب الحميم من فوق الرأس؛ ليجتمع عليه العذاب من أعلاه إلى أسفله ومن باطنه إلى ظاهره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإشكال: لماذا جاء التعبير بـ {مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ} ولم يقل من الحميم مباشرة؟
المحاكمة والبيان:
إضافة العذاب إلى الحميم تدل على أن الحميم في جهنم ليس مجرد ماء مغلي مادي كالذي يعرفه البشر، بل هو ماء قد خُلق ووُظّف ليكون جوهراً من جواهر التعذيب الإلهي الإعجازي، المتجاوز لمفاهيم الحرارة الأرضية.
فالحميم ذاته نوع من أنواع العذاب المعد للمكذبين، فكأنه قال: صبوا عليه من ذلك العذاب المستقر في الحميم الذي لا قدرة لأحد على احتماله.
نكاسة الكبرياء وموطن العز: صب الحميم على الرأس بالذات مقصود بيانيا؛ لأن الرأس هو موضع التاج والرفعة والأنفة، فالصب عليه إهانة للمتكبر وإشعار له بأنه أحقر الكائنات وأذلها.
التعبير بـ {صُبُّوا}: إيحاء بالوفرة والتدفق المستمر؛ فليس هو رشاً أو تقطيراً، بل صب متواصل يملأ الجسد إحراقاً وذوباناً.
التدبر الإيماني: بكاء القلب عند تلاوة هذا المشهد الرهيب، الذي يوضح نهاية كل من أعرض عن ربه واغتر بقوته وسلطانه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحصين النفس بتقوى الله: الخوف الوجل من عذاب الله الذي لا يطاق، وتقديم طاعة الله ورسوله على كل هوى ومصلحة دنيوية عاجلة.
توظيف الجوارح في مرضاة الله: ما دام هذا الرأس معافى في الدنيا، فليكن موضعاً للسجود والخضوع والذل بين يدي الله تعالى، ليعافيه الله من أن يصب عليه الحميم غداً.