التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري في جامع البيان (٢٢/ ٨٥)مصدر غير محدد٢٢/٨٥، وابن كثير في تفسيره (٧/ ٢٦٦)مصدر غير محدد٧/٢٦٦، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٥١)مصدر غير محدد١٦/١٥١: {حم} سادسة الحواميم السبع المكية الشريفة. وهي من فواتح السور بالحروف المقطعة التي قال فيها ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن البصري: هي سر من أسرار الله تعالى استأثر بعلمه، وقيل اسم من أسماء الله تعالى، وقيل قسم أقسم الله به؛ والمختار المحقق عند أئمة التحقيق كابن تيمية وابن القيم وابن كثير: أنها فواتح مقطعة سيقت في مطالع هذه السور للتنبيه والإيقاظ وإظهار الإعجاز القرآني العظيم؛ حيث نزل هذا القرآن المعجز بلسان العرب ونُظم من هذه الحروف الهجائية التي يركبون منها كلامهم وأشعارهم، ومع ذلك عجزت فصحاؤهم وبلغاؤهم عن معارضته أو الإتيان بسورة من مثله، ولذلك تعقّب هذه الفواتح دائماً بالتنويه بالقرآن وتنزيله من عند الله: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الصوتيات والأداء القرائي:
{حم}: صوتا الحاء والميم؛ تُلفظ هجاءً ساكنة الأعجاز: (حَا مِيمْ)، مع مد الياء في (ميم) مداً لازماً حرفياً مخففاً بمقدار ست حركات، وقصر الألف في (حا) حركتين طبيعياً.
القراءات المتواترة: قرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر وأبو بكر عن عاصم بإمالة الألف من (حا) إمالة كبرى؛ وقرأ ورش عن نافع وأبو عمرو بالتقليل (بين بين)؛ وقرأ باقي القراء العشرة (نافع من رواية قالون، وابن كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر، ويعقوب) بالفتح التام.
الإعراب الدقيق:
{حم}: فيها أوجه إعرابية مقررة عند النحاة:
١. حرف هجاء مبني على السكون لا محل له من الإعراب مسوق للتنبيه والدلالة على الإعجاز، وهو الوجه الأقعد نحواً وأثراً.
٢. اسم للسورة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وخبره {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ}.
٣. خبر لمبتدأ محذوف تقديره: (هذه حم).
٤. في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره: (اتلُ حم).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وحدة النسق بين الحواميم السبع:
تأتي سورة الجاثية في نسق بنيوي متماسك مع أخواتها الحواميم؛ تفتتح بـ {حم} ثم يليها مباشرة إسناد تنزيل الكتاب إلى صفات الجلال الإلهي؛ ليتحقق التلازم بين شرف المبتدأ وعظمة التنزيل.
براعة الاستهلال:
قرع الآذان بهذه الحروف الصامتة لتفريغ القلوب من شواغل الدنيا وتهيئتها لتلقي الدلائل العقلية والبراهين الكونية والأنفسية الحاسمة في الآيات التالية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد شبهات الطاعنين في الحروف المقطعة:
زعم بعض الملاحدة والمستشرقين أن هذه الفواتح طلاسم مبهمة؛ والرد العقلي القاطع: لو كانت هذه الحروف مجهولة أو خارجة عن أساليب العرب لكان مشركو مكة أسرع الناس إلى التكذيب بها والاستهزاء بنظمها، فلما أذعنوا لبلاغتها وعلموا أنها من فصيح لسانهم ومفاتيح كلامهم عُلم بالضرورة أنها استهلال إعجازي يُلزمهم الحجة ويفضح عجزهم التام عن الإتيان بمثله.