روى الطبري (٢٢/ ٥٨-٥٩)مصدر غير محدد٢٢/٥٨ وابن كثير (٧/ ٢٦٧-٢٦٨)مصدر غير محدد٧/٢٦٧ والقرطبي (١٦/ ١٤٥-١٤٦)مصدر غير محدد١٦/١٤٥ بأسانيدهم عن قتادة ومجاهد والحسن البصري والسدي: اصطفينا بني إسرائيل واجتبيناهم وفضلناهم على علم منا بأحوالهم وأصلحيتهم في ذلك الوقت، على عالمي زمانهم الذي كانوا فيه؛ بكثرة من بعثنا فيهم من الأنبياء وتنزيل الكتب كالتوراة والإنجيل والآيات والمعجزات.
تحقيق معنى {عَلَى الْعَالَمِينَ}: أجمع أئمة التفسير والسلف الصالح على أن التفضيل هنا تفضيل مقيد بعالمي زمانهم ودهرهم؛ لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم مفضلة بنص القرآن والسنة المتواترة على جميع الأمم من الأولين والآخرين؛ لقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» (رواه الترمذي وحسنه وأحمد وابن ماجه).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
{اخْتَرْنَاهُمْ}: الاختيار: أخذ خير ما في الشيء واجتباؤه وانتقاؤه؛ والافتراء من الخير.
{عَلَىٰ عِلْمٍ}: حال؛ أي ونحن عالمون بحالهم وفضلهم في ذلك الزمان، وبما يؤول إليه أمرهم لاحقاً.
{عَلَى الْعَالَمِينَ}: جمع عالم، وهو كل ما سوى الله تعالى؛ والمراد هنا أهل زمانهم من الأمم الأخرى.
الإعراب الدقيق:
{وَلَقَدِ}: الواو عاطفة، اللام موطئة للقسم، قد: حرف تحقيق مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
{اخْتَرْنَاهُمْ}: اختار: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والهاء مفعول به، والميم للجمع.
{عَلَىٰ عِلْمٍ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل (نا) (أي ونحن ذوو علم بحالهم) أو من المفعول به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الترقية في مراتب الإنعام: بدأ بالنجاة من العذاب المهين، ثم رقاهم في سلم الكرامة ببيان الاصطفاء والاجتباء {وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ}؛ ليظهر تمام النعمة عليهم في ذلك العصر.
التمهيد لبيان الابتلاء في الآية التالية: أثبت الاصطفاء، ثم بين مباشرة أن هذا الاصطفاء والآيات كان معهما امتحان وبلاء مبين: {مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفنيد دعوى اليهود في الاصطفاء العنصري الأبدي:
زعم اليهود استناداً إلى مثل هذه الآيات أنهم مفضلون على البشر إلى الأبد بمجرد العرق والنسب؛ وهذا باطل عقلاً ونقلاً:
١. التفضيل كان مقيداً بزمانهم ومقيداً بالتمسك بالتوحيد والشرع؛ فلما كفروا وحرفوا التوراة وقتلوا الأنبياء باؤوا بغضب من الله ونُزعت عنهم الخيرية ولُعنوا على لسان داود وعيسى بن مريم.
٢. ميزان التفاضل في شريعة الله ليس بالنسب ولا بالدم، بل بالإيمان والعمل الصالح: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
دلالة {عَلَىٰ عِلْمٍ}: تؤكد أن الله عليم بما كان وما سيكون؛ فاختارهم لمهام النبوة في زمانهم بعلم، وعلم تقلب قلوبهم وغدرهم لاحقاً فحاسبهم بعدله.
التعبير بـ {عَلَىٰ عِلْمٍ}: قيد بديع يفيد كمال الحكمة الإلهية؛ فاختيار الله لا يدخله محاباة ولا مصادفة، بل هو مبني على العلم الإلهي المحيط بالحكمة والمصلحة.
توالي حرف الجر (على) في {عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}: لاختلاف المعنى بينهما؛ الأولى للملابسة والمصاحبة، والثانية للاستعلاء المجازي والتفضيل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاصطفاء مسؤولية وتكليف: الاصطفاء بالنعم والعلم ليس مدعاة للغرور بل هو عبء ومسؤولية كبرى تستوجب دوام الشكر والعمل الصالح.
استشعار خيرية الأمة المحمدية: المسلم يستشعر شرف انتمائه لخير أمة أخرجت للناس، فيجتهد في تحقيق شروط هذه الخيرية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله.