التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ٣٢)مصدر غير محدد٢٢/٣٢ وابن كثير (٧/ ٢٦٢)مصدر غير محدد٧/٢٦٢ والقرطبي (١٦/ ١٣٦-١٣٧)مصدر غير محدد١٦/١٣٦: روى البخاري في صحيحه (رقم ٤٧٧٤)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٧٤ عن ابن مسعود رضي الله عنه: هذا إخبار من الله تعالى بما سيقع حتماً؛ إنا رافعون وكاشفون عنكم هذا الجوع والقحط والدخان زماناً يسيراً قليلاً لتقوم عليكم الحجة؛ ولكن علمنا الأزلي المحيط يقطع بأنكم عائدون إلى شرككم وتكذيبكم وقتالكم لنبيكم ما إن يزول عنكم البلاء وترتفع الشدة! وقد وقع ذلك عياناً؛ فلما دعا النبي صلى الله عليه وسلم وكشف الله عنهم الجوع وأخصبت بلادهم، عادوا إلى طغيانهم وحاربوا المسلمين، حتى بطش الله بهم في بدر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{كَاشِفُو}: اسم فاعل من كشف، أضيف إلى مفعوله وحذفت نونه للإضافة.
{قَلِيلًا}: القلة هنا في الزمان؛ أي وقتاً وزماناً قليلاً، أو كشفاً قليلاً من جنس العذاب.
{عَائِدُونَ}: اسم فاعل من عاد يعود، دال على الثبوت والاستقرار في العودة إلى الكفر والشرك.
الإعراب الدقيق:
{إِنَّا}: إنّ حرف توكيد ونصب، و(نا) اسمها المدغم فيها.
{كَاشِفُو}: خبر إن مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وهو اسم فاعل عامل، ومضاف.
{الْعَذَابِ}: مضاف إليه مجرور لفظاً بالكسرة الظاهرة، وهو مفعول به في المعنى لاسم الفاعل كاشفو.
{قَلِيلًا}: ظرف زمان منصوب بالفتحة الظاهرة متعلق بـ (كاشفو)، أو مفعول مطلق نائب عن المصدر (أي كشفاً قليلاً).
{إِنَّكُمْ}: إن حرف توكيد ونصب، والكاف اسمها، والميم للجمع.
{عَائِدُونَ}: خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وجملة {إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} تعليلية أو استئنافية مقررة لحالهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقاء القدر والخبر الإلهي المعجز: الآية تجمع بين كرم الحلم الإلهي في إجابة دعائهم المؤقت وكشف البلاء عنهم، وبين الإخبار الغيبي القاطع بأنهم ناكثون عهودهم وعائدون إلى شركهم؛ مما يمهد للبطشة الكبرى في الآية التالية: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى}.
فضح الخبيئة النفسية: كشف الله مكنون نفوسهم قبل أن يعودوا؛ لئلا يدعي أحد أن كفرهم بعد الرخاء كان أمراً عارضاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز الغيبي الصادق في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم:
هذه الآية من أعلام النبوة وبراهين صدق القرآن القاطعة؛ فقد أخبر الله تعالى أن العذاب سيُكشف عنهم قليلاً، وأنهم سيعودون حتماً إلى كفرهم؛ فلو أن قريشاً لما كُشف عنهم الجوع استقاموا وأسلموا لبطل هذا الخبر وحاشا لله؛ ولكنهم عادوا بتمرد وكبر كما أخبر الوحي تماماً؛ مما يقطع بأن هذا القرآن صادر عن علام الغيوب الذي لا يعزب عن علمه شيء.
التعبير باسم الفاعل في {كَاشِفُو} و{عَائِدُونَ}: لإفادة التحقق والثبوت والوقوع القريب؛ كأنه أمر واقع لا محالة.
الإشارة التدبرية: إمهال الله للظالم ليس إهمالاً؛ فكشف البلاء القليل قد يكون استدراجاً ليعود الظالم إلى ظلمه فيستحق البطشة الكبرى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من نكث التوبة بعد تفريج الكرب: المسلم إذا عافاه الله من مرض أو نجاه من محنة، وجب عليه مضاعفة الشكر والاستقامة، والحذر التام من العودة إلى المعاصي بعد إحسان الله إليه.
اليقين بأن العاقبة للمتقين: إمهال أهل الباطل في الدنيا لا يغير من مصيرهم المحتوم؛ فإن بطش الله شديد، وانتقامه نازل بالظالمين في الوقت المقدر له.