تفتح الآية الكريمة سجل التاريخ البشري، وتستهل سلسلة المشاهد التاريخية الخمسة العظمى لمصارع المكذبين، بمشهد قوم نوح عليه السلام الذين كانوا أقدم الأمم تكذيباً وتطاولاً على نبيهم.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٠٥)مصدر غير محدد٢٢/٥٠٥ عن مجاهد وقتادة في قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ}: قال: كذبت قريشاً قبلهم قومُ نوح، فكذبوا عبدنا نوحاً، ورموه بالجنون وزجروه؛ والازدجار: الانتهار والشتم والتهديد بالرجم والقتل إن لم ينتهِ عن دعوته.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٦)مصدر غير محدد٧/٤٤٦: هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتهديد لكفار قريش؛ أي لست أول رسول كُذّب ورُمي بالجنون، فقد سبقك إلى ذلك شيخ المرسلين نوح عليه السلام؛ كذبه قومه، ونسبوه إلى زوال العقل والجنون، وزجروه وتوعدوه بالقتل والرجم، كما حكى الله عنهم في سورة الشعراء: {قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ}، فصبر على أذاهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم ليلاً ونهاراً.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٨٨)مصدر غير محدد١٧/٨٨: {وَازْدُجِرَ} أي استطير جنوناً؛ يقال للرجل إذا أصابه رئي من الجن أو زجرته الشياطين: قد ازدجر، وقيل: زجروه بالشتم والسب والتهديد؛ فجمعوا له بين التكذيب، والطعن في العقل، والاعتداء الجسدي واللفظي بالزجر والإرهاب.
وفي التحرير والتنوير: تكرار فعل التكذيب {كَذَّبَتْ... فَكَذَّبُوا} لبيان عظيم شأن هذا التكذيب؛ فالتكذيب الأول تكذيب بالرسالة إجمالاً، والثاني تكذيب بشخص نوح الصادق وتطاول على مقامه الكريم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{كَذَّبَتْ}: فعل ماض مبني على الفتح الظاهر، والتاء للتأنيث.
{قَبْلَهُمْ}: ظرف زمان منصوب على الظرفية وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه، والميم للجمع، والظرف متعلق بالفعل كذبت.
{قَوْمُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف.
{نُوحٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو مصروف لخفة بنائه الثلاثي ساكن الوسط.
{فَكَذَّبُوا}: الفاء عاطفة تفيد التفصيل والتفرع، كذبوا فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
{عَبْدَنَا}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف، و(نا) ضمير متصل مبني في محل رفع مضاف إليه يعود على العظمة الإلهية.
{وَقَالُوا}: الواو عاطفة، قالوا فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
{مَجْنُونٌ}: خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو مجنون، مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة مقول القول في محل نصب.
{وَازْدُجِرَ}: الواو عاطفة، ازدجر فعل ماض مبني للمجهول (لما لم يسم فاعله) مبني على الفتح الظاهر، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على نوح، وصيغته افتعل من الزجر، وأبدلت تاؤه دالاً لمجاورة الزاي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الانتقال من الترهيب بمشهد القيامة إلى الترهيب بوقائع التاريخ المنظورة!
لما قال في الآية السابقة: {يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ}، وخاطب كفار قريش، ساق لهم برهان الواقع: إن كنتم تستبعدون عذاب القيامة، فانظروا ماذا فعل الله بالأمم السابقة التي فعلت مثل فعلكم وسلكت مسلككم في الطغيان والازدجار.
تشريف نوح عليه السلام بوصف العبودية {عَبْدَنَا}: في غاية اللطافة والنظم البديع؛ فبينما رماه قومه بالجنون والتحقير والازدجار، بادره الحق جل وعلا بإثبات أعلى درجات الشرف والاصطفاء بإضافته إلى ذاته العلية: {عَبْدَنَا}؛ رداً لاعتباره وتثبيتاً لمقامه العظيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
ظاهرة تشابه قلوب المكذبين عبر العصور:
تهمة (الجنون) هي التهمة الجاهزة المعلبة التي رمت بها الأمم الجاهلية جميع أنبيائها ودعاتها؛ فرمت بها قريش محمداً صلى الله عليه وسلم {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ}، ورمى بها قوم نوح نوحاً عليه السلام {وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ}.
هذا التطابق العجيب عبر آلاف السنين برهان على وحدة المنطق الشيطاني وأهواء الباطل، وأن رمي المصلحين بالخلل العقلي والاضطراب النفسي وسيلة المستكبرين للهروب من مواجهة الحجج العقلية الصادقة.
سر بناء الفعل للمجهول في {وَازْدُجِرَ}: يدل على أن الزجر والاضطهاد لم يكن من واحد أو اثنين، بل صار ثقافة عامة يمارسها الجميع ضده، فكان السفهاء والرؤساء يزجرونه وينتهرونه، فضاقت عليه الأرض بما رحبت.
نكتة التعبير بـ{عَبْدَنَا}: إضافة تشريف وتكريم تفيض بالحنان الإلهي والانتصار للولي الصابر؛ فمن كان عبداً لله مضافاً إلى جنابه العظيم تكفل الله بنصرته والانتقام من ظالميه.
الإيجاز بحذف المبتدأ في {مَجْنُونٌ}: للدلالة على صفاقة وجوههم وإلقائهم الكلمة الوقحة كالقذيفة دون حياء.
الإشارة التدبرية: الابتلاء سنة الأنبياء والدعاة؛ فكلما اشتد عليك أذى الناس وتسفيههم لمبادئك وازدجارهم لك، فاستحضر مقام نوح {فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا}، واعلم أنك في عين الله ورعايته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الصبر وطول النفس في الدعوة: الاقتداء بنوح عليه السلام في تحمله الأذى النفسي والجسدي وتطاول السفهاء، والاستمرار في التبليغ بلا انقطاع.
تسلية الدعاة المعاصرين: تثبيت قلوب العاملين للإسلام إذا حوربوا بالشائعات وحملات التشويه والاتهام بالتخلف والتطرف؛ فهذا طريق سلكه الأنبياء من قبل.
التمسك بشرف العبودية لله: الفخر والاعتزاز بأن يكون المسلم عبداً خالصاً لله تعالى، ففيها العزة والمنعة التي تحمي القلب من انكسار الأذى البشري.