تعلن الآية الكريمة بقاء سفينة نوح وقصتها العظيمة عبر الأجيال والقرون علامة بينة وعبرة خالدة تدل على قدرة الله ونصرته لأوليائه وهلاك المكذبين.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥١١)مصدر غير محدد٢٢/٥١١ بإسناده عن قتادة في قوله: {وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}: قال: أبقى الله سفينة نوح على جبل الجودي بأرض باقِرْدى حتى رآها أوائل هذه الأمة، ونظر إليها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كم من سفينة قد هلكت بعد ذلك فصارت رماداً، وأبقى الله هذه السفينة آية وعبرة ليتذكر بها المعتبرون.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٧)مصدر غير محدد٧/٤٤٧: أي وأبقينا تلك السفينة أو قصة الطوفان وجنس السفن آية وعبرة ودلالة قائمة للناس، يعتبرون بها كيف نجا الله المؤمنين وأهلك الكافرين؛ {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أي فهل من معتبر ومتعظ يتذكر فينيب إلى ربه؟
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٩٢)مصدر غير محدد١٧/٩٢: الضمير في {تَّرَكْنَاهَا} يعود إلى السفينة عينها؛ بقيت أخشابها دهراً طويلاً على الجودي عِبرة قائمة، أو يعود إلى الفعلة والعقوبة؛ أي تركنا قصة الطوفان وإغراق الأمم آية باقية تتناقلها القرون.
وقوله: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}: أصله مُذْتَكِر (من الذكر)، فأبدلت التاء دالاً ثم قلبت الذال دالاً وأدغمت الدالان فصارت: مُدَّكِر، وهي قراءة العشرة المتواترة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَقَد}: الواو واو القسم، اللام واقعة في جواب القسم للتوكيد، قد حرف تحقيق.
{تَّرَكْنَاهَا}: تركنا فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و(نا) فاعل يعود على الله تعالى، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول يعود على السفينة أو القصة، والترك لغة الإبقاء والتخلية.
{آيَةً}: مفعول به ثان لتركنا منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والآية العبرة والعلامة الواضحة الهادية إلى الحق.
{فَهَلْ}: الفاء استئنافية أو فصيحة، هل حرف استفهام يفيد الحث والتحضيض والطلب المتضمن للأمر؛ أي فادَّكِروا واعتبروا.
{مِن}: حرف جر زائد لاستغراق الجنس وتوكيد الاستيعاب في سياق الاستفهام التحضيضي.
{مُّدَّكِرٍ}: اسم مجرور لفظاً بمن مرفوع محلاً على أنه مبتدأ مؤخر، وخبره محذوف تقديره: فهل من مدكر موجود أو حاصل؟ وصيغته اسم فاعل من ادّكر يَدَّكِرُ ادِّكاراً، وأصله مذتكر من الذِّكْر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الانتقال من تصوير قصة الطوفان والنجاة إلى توجيه الخطاب والتحضيض المباشر للسامعين في كل زمان: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}!
فالقرآن لا يسرد التاريخ لذاته، بل يقف بالسامع عند الغاية التربوية والوجودية؛ وهي استخلاص العبرة والاتعاظ بمصائر الأمم؛ فإذا كانت السفينة قد تُركت آية شاهدة، فما بال العقول تتغافل ولا تعتبر؟!
افتتاح الجملة بـ{وَلَقَدْ} المؤكدة بالقسم والتحقيق: يدفع أي شك في بقاء هذه الآية وخلود دلالتها في الأذهان والآفاق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الاكتشافات الأثرية الحديثة وسفينة نوح:
عثرت البعثات الاستكشافية والأثرية في جبال أرارات ومحيط جبل الجودي على بقايا هياكل خشبية متحجرة وتكوينات تطابق أبعاد السفينة الموصوفة في الكتب القديمة والقرآن الكريم؛ مما يصدق الخبر القرآني المعجز: {وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً}.
والآية تشمل بقاء خشب السفينة في العصور الأولى، وتشمل خلود خبرها في الذاكرة الإنسانية الجمعية؛ فلا توجد حضارة من حضارات الأرض (في الشرق الأدنى، أو الهند، أو الصين، أو الأمريكتين) إلا وفي تراثها ملحمة طوفان هائل نجا فيه رجل صالح بسفينة؛ وهذا التواتر العالمي برهان قطعي على صدق النبأ القرآني.
الإبدال والإدغام الصوتي في {مُّدَّكِرٍ}: تحول (مذتكر) إلى (مُدَّكِر) بثقل الدال المشددة يضفي متانة صوتية وقرعاً للأسماع؛ كأن اللفظ يوقظ الذاكرة الغافلة بهزة قوية لتستحضر الحقائق وتنفض عنها ركام النسيان.
خروج الاستفهام بـ{هَلْ} إلى معنى الأمر والتحضيض: أي اعتبروا وتذكروا وتوبوا؛ فصيغة الاستفهام أبلغ في استثارة الهمم واستنطاق الضمائر من صيغة الأمر المباشر.
الإشارة التدبرية: الآيات والعبر مبثوثة في الآفاق وفي التاريخ، ولكنها لا تنفع إلا من فتح قلبه للادكار؛ فالغافل يمر بالآيات وهو عنها معرض، والمؤمن يلتقط العبرة ويزداد بها إيماناً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تنمية حس الاعتبار بالتاريخ: حث المسلمين على قراءة التاريخ الإنساني والسنن الكونية بعين البصيرة والاتعاظ، وعدم الاكتفاء بالمعلومات التاريخية الجافة.
تجديد الإيمان بالبراهين الواقعية: الاستدلال بآثار الأمم البائدة على صدق القرآن وعدالة الله، وتثبيت قلوب المؤمنين بوعد الله بالنصر والتمكين.
الإقبال على تذكر مواعظ الله: أن يراجع المسلم نفسه عند سماع هذه الآية: هل أنا من المدكرين الذين أصلحت المواعظ قلوبهم وزجرتهم عن المعاصي؟