هذه الآية الكريمة أصل عظيم من أصول العقيدة الإسلامية، وقاعدة كلية حاكمة لحركة الوجود بأسره؛ حيث تقرر أن كل كائن وحادث وحركة وسكون في السماوات والأرض خلقه الله تعالى بمقدار معلوم وقضاء سابق وحكمة بالغة.
روى الإمام مسلم في صحيحه (كتاب القدر، باب كل شيء بقدر، حديث رقم ٢٦٥٦)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٥٦ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الْقَدَرِ، فَنَزَلَتْ: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}.
وروى مسلم أيضاً (حديث رقم ٢٦٥٥)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٥٥ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ».
وروى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٣٩)مصدر غير محدد٢٢/٥٣٩ بسنده عن عطاء بن يسار قال: أتى رجل ابن عباس فقال: أرأيت من كذب بالقدر؟ قال: أروه إياي، فلئن أرأيتمونيه لأطأن عنقه، ثم لأقرأن عليه: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٥٧)مصدر غير محدد٧/٤٥٧: يستدل بهذه الآية الكريمة سلف الأمة وأئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه؛ وهو علمه بالأشياء قبل كونها، وكتابته لها في اللوح المحفوظ، ومشيئته النافذة فيها، وخلقه وإيجاده لها؛ فمراتب القدر أربع: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق.
وقال القرطبي في تفسيره (ج ١٧، ص ١٠٧)مصدر غير محدد١٧/١٠٧: هذه الآية نص قاطع في الرد على القدرية الذين يزعمون أن العباد يخلقون أفعالهم بأنفسهم استقلالاً عن قدرة الله ومشيئته؛ فالله تعالى أطلق القول فقال: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}، وأفعال العباد داخلة في مسمى (شيء) قطعاً، فكلها مخلوقة لله تعالى ومقدرة في علمه وكتابه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّا}: إن حرف توكيد ونصب مبني على الفتح، و(نا) ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب اسم إن، وأصله (إننا) فأدغمت النون في النون للتخفيف.
{كُلَّ}: مفعول به منصوب لفعل محذوف وجوباً يفسره ما بعده على باب الاشتغال (تقديره: خلقنا كلَّ شيءٍ خلقناه)، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف. وقرئ في الشواذ بالرفع (كلُّ شيءٍ) على الابتداء، وجمهور القراء العشرة على النصب لمشاكلة الجمل الفعلية وللتأكيد البالغ على عموم الخلق.
{شَيْءٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، و(شيء) في اللغة يعم كل موجود تصح رؤيته والإخبار عنه.
{خَلَقْنَاهُ}: خلق فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع، و(نا) ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به يعود على كل شيء، والجملة الفعلية تفسيرية لا محل لها من الإعراب، وجملة الفعل المحذوف المقدر وفاعله ومفعوله في محل رفع خبر إن.
{بِقَدَرٍ}: الباء حرف جر للملابسة والسببية، قدر اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وشبه الجملة في محل نصب حال من الهاء في (خلقناه)؛ أي خلقناه متلبساً بقدر محكم وهيئة مخصوصة وزمان ومكان وأجل لا يتعداه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا الارتباط النظمي المعجز بين الآيات!
لما توعد الله المجرمين بسحبهم في النار على وجوههم وإذاقتهم مس سقر في الآية (٤٨) بسبب جدالهم ومخاصمتهم في القدر وتكذيبهم بالبعث.
أتبع ذلك مباشرة بتقرير الأصل الكلي الذي كذبوا به وجادلوا فيه: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}.
ليعلم العباد أن إهلاك الأمم المكذبة السابقة، وإملاء الظالمين، ونصر الرسل، وتوقيت عذاب الساعة، وسحب المجرمين في سقر، وتنعيم المتقين؛ كل ذلك واقع بتقدير أزلي محكم وحكمة إلهية لا عشوائية فيها ولا فوضى.
التناسق بين اسم السورة ومحورها: افتتحت السورة بآية كونية مقدرة غاية التقدير: انشقاق القمر واقتراب الساعة، ثم تدرجت في عرض حوادث التاريخ بدقة متناهية، لتتوج بهذا الإعلان الكوني القاطع: أن كل ذرة في الوجود مقدرة تقديراً ربانياً معجزاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد المفحم على شبهات القدرية والجبرية:
زعمت القدرية (نفاة القدر) أن أفعال الإنسان لم يقدرها الله ولا تدخل تحت خلقه؛ فردهم القرآن بلفظ {كُلَّ شَيْءٍ}؛ والعموم هنا قطعي لا مخصص له؛ فأفعال العباد من جملة الأشياء، فالله خالق العبد وخالق فعله وقدرته.
وزعمت الجبرية أن الإنسان مجبور كالريشة المعلقة في مهب الريح ولا إرادة له؛ فبين أهل السنة أن الله قدر الأشياء بأسبابها؛ فقدر للعبد مشيئة واختياراً يكسب به أفعاله ويجازى عليها، ومشيئة العبد تابعة لمشيئة ربه وليست خارجة عنها: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}.
حل إشكال وقوع الشرور والآلام في العالم:
كل ما في الكون من آلام ومصائب وابتلاءات داخل في القدر الإلهي لحكم بالغة ومصالح كبرى؛ فالشر ليس شراً محضاً مضافاً إلى ذات الله، بل هو شر نسبي بالنسبة لبعض المخلوقات في الظاهر، ولكنه في التدبير الكلي الإلهي خير وعدل وحكمة وتمحيص وابتلاء، كما قال النبي ﷺ في دعاء الاستفتاح: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» (صحيح مسلم).
بلاغة نصب {كُلَّ} على الاشتغال: اختيار النصب بدلاً من الرفع يمنح التركيب قوة إيقاعية وبلاغية هائلة؛ لأن النصب ينقل العبارة إلى عالم الأفعال والإنشاء الفوري، ويشعر بأن فعل الخلق متسلط ومحيط بكل موجود قبل التفصيل.
تنكير {بِقَدَرٍ}: تنكير تعظيم وتفخيم؛ أي بتقدير عجيب ونظام باهر وإحكام لا تفاوت فيه ولا خلل، كما قال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}.
الإشارة التدبرية: استقرار عقيدة القدر في قلب العبد يملأ النفس سكينة وطمأنينة ويقيناً؛ فلا ييأس على ما فاته، ولا يبطر بما آتاه، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه؛ فتهدأ عواصف الحزن والقلق في وجدانه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الجمع بين الإيمان بالقدر والأخذ بالأسباب: التربية النبوية الجامعة؛ فالإيمان بالقدر لا يدعو إلى التواكل والقعود، بل يدعو إلى الجد والاجتهاد والأخذ بالأسباب المشروعة مع التعلق برب الأرباب، كما قال النبي ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ» (صحيح مسلم: ٢٦٦٤).
الرضا بالقضاء عند نزول البلاء: مواجهة مصائب الدنيا بقلب مطمئن بقضاء الله، وقول: «قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ»، وتجنب الاعتراض اللفظي والقلبي وفتح عمل الشيطان بكلمة (لو).
التفكر في بديع صنع الله ودقة المقادير: تأمل العبد في نظام الكون المحكم، من دوران الأفلاك إلى نبض الخلايا؛ فكل شيء يجري بمقدار معلوم، مما يورث تعظيم الخالق وخشيته.