تصف الآية الكريمة طبيعة هذا الوحي القرآني بأنه الحكمة العليا التي بلغت ذروة الكمال والبيان، ثم تكشف بأسى عن خيبة المكذبين الذين صموا آذانهم عن إنذار الرسل.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٠١)مصدر غير محدد٢٢/٥٠١ عن قتادة في قوله: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ}: قال: القرآن حكمة بالغة من الله تعالى، بلغت غاية الصواب والعدل والبيان، {فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ}: قال: ما تغني الرسل والآيات والإنذار عمن كتب الله عليه الشقاء وأعرض عن هداه واتبع هواه.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٥)مصدر غير محدد٧/٤٤٥: أي هذا الذي جاءهم به القرآن هو حكمة بالغة؛ أي قد بلغت الغاية القصوى في كمالها وصحتها ونفعها لمن وفقه الله، ولكن ما تغني النذر عمن لا إيمان له ولا عقل عنده ولا بصيرة يرجع إليها، كقوله تعالى في سورة يونس: {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ}.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٨٦)مصدر غير محدد١٧/٨٦: الحكمة: معرفة الحق والعمل به ووضع الأشياء في مواضعها الصحيحة؛ وبالغة: أي واصلة إلى نهايتها ومحققة لإقامة الحجة القاطعة؛ وقوله {فَمَا تُغْنِ}: (ما) إما نافية؛ أي لا تنفع النذر المعاندين، وإما استفهامية للإنكار والتوبيخ؛ أي فأي إغناء تغنيه النذر عنهم إذا أصروا على عنادهم؟ والنذر جمع نذير وهو المنذر من الرسل، أو جمع نذارة وهي الإنذار والتخويف.
وفي التحرير والتنوير: البلاغ وصول الشيء إلى غايته؛ فالحكمة البالغة هي التي لا يعتريها قصور ولا يشوبها عيب، تهدي إلى الصراط المستقيم بأوضح الطرق وأمتنها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{حِكْمَةٌ}: بدل من {مَا} في قوله {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو حكمة بالغة، أو مبتدأ خبره محذوف. والحكمة وضع الشيء في موضعه بإحكام وإتقان ومنع الفساد.
{بَالِغَةٌ}: نعت لحكمة مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وصيغته اسم فاعل من بلغ الشيء إذا وصل إلى منتهاه وغايته التامة.
{فَمَا}: الفاء استئنافية أو فصيحة مفرعة على ما تقدم، ما نافية لا عمل لها، أو اسم استفهام إنكاري في محل نصب مفعول مطلق نائب عن المصدر (أي أيّ إغناء تغني؟).
{تُغْنِ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل، وحذفت الياء في الرسم العثماني اتباعاً للقراءة والتخفيف {فَمَا تُغْنِ}.
{النُّذُرُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو جمع نذير (الرسول المنذر) أو جمع نذارة (الإنذار والتحذير).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبدع هذا الوصف القرآني المتكامل!
وصف الوحي بأنه {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ}؛ من جهة قوته التأثيرية في ردع النفوس وزجرها.
ثم وصفه بأنه {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ}؛ من جهة كماله العقلي والتشريعي ومطابقته للحق المحض.
ثم أعقبه ببيان العجز البشري المعاند: {فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ}؛ لتبرئة الرسالة وإلزام المكذبين بالمسؤولية الكاملة عن كفرهم.
حذف حرف العلة في قوله {فَمَا تُغْنِ} رسماً ولفظاً: ينسجم مع إيقاع السورة السريع المرهوب الذي تتساقط فيه الحروف خفيفة حاسمة كصواعق العذاب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التمييز بين بلوغ الحجة وقبولها:
يثير الملاحدة إشكالاً: كيف تكون الحكمة بالغة ثم لا تؤثر في أكثر المشركين؟ ألا يدل عدم إيمانهم على قصور الحكمة؟
الرد العقلي والشرعي الصارم: بلوغ الحكمة معناه كمال البرهان وسطوعه ووضوحه بحيث لا تبقى معه شبهة لعاقل منصف؛ والبلوغ صفة للحجة في ذاتها وليست صفة لقبول السامع؛ فالشمس بالغة في إشراقها وإن لم يرها الأعمى؛ والشرع لم ينزل لإلجاء الناس وإكراههم جبراً على الإيمان، بل نزل ابتلاءً لاختيارهم الحر؛ فإذا تعامى المستكبر وعاند، فالعيب في عماه وليس في الحكمة البالغة.
حقيقة دور النذر: النذير يدل على الخطر ويحذر منه، ولا يملك إجبار الناس على النجاة؛ فإذا اختار الإنسان إلقاء نفسه في الهاوية بعد سماع صفارة الإنذار فما ذنب النذير؟!
الوصف بـ{بَالِغَةٌ}: استعارة مكنية؛ شبه الحكمة بإنسان يقطع المسافات حتى يصل إلى أعلى ذروة ممكنة من الكمال دون أي عثرة في الطريق.
الاستفهام الإنكاري أو النفي في {فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ}: يفيض بالحسرة والتوبيخ لموقف هؤلاء الكفرة الذين أضاعوا أعظم فرصة للنجاة وأعرضوا عن أصدق ناصح.
الإشارة التدبرية: شريعة الإسلام حكمة محكمة في أوامرها ونواهيها وتشريعاتها؛ فكل أمر أمرت به فهو في غاية المصلحة، وكل نهي نهت عنه فهو في غاية المفسدة، والحكمة البالغة تتجلى لكل من تدبر كتاب الله بعقل منصف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحكيم الحكمة في العمل الدعوي: حث الدعاة على التسلح بالحكمة البالغة في خطابهم، وعرض محاسن الإسلام وبراهينه بأسلوب رشيد يطابق مقتضى الحال.
التفويض والسكينة عند عدم الاستجابة: توجيه المؤمنين إلى عدم الجزع أو الإحباط إذا أعرض الناس عن الحق؛ فالهداية توفيق إلهي والنذر لا تغني عن المعاندين.
شكر نعمة الإيمان والحكمة: استشعار الفضل الإلهي بالهداية للقرآن الحكيم، والحرص على تعلم الحكمة وتطبيقها في شؤون الحياة.