تصور الآية الكريمة لحظة الجريمة الكبرى ونكث العهد؛ حيث تواطأ القوم على قتل معجزة الله، وانتدبوا أشقاهم قُدار بن سالف ليقدم على هذه الفعلة النكراء الشنيعة.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٢٣)مصدر غير محدد٢٢/٥٢٣ بإسناده عن ابن عباس وقتادة في قوله تعالى: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ}: قال: صاحبهم هو قُدار بن سالف عاقر الناقة، وهو أشقى ثمود؛ نادوه وشجعوه وأغروه بالمال والخمر والنساء؛ {فَتَعَاطَىٰ}: قال: تعاطى السيف بيده أو تعاطى ما أُمِرَ به من الجسارة والجرأة، {فَعَقَرَ} قال: ضرب الناقة بالسيف فعقرها وقتلها؛ وكان عقره إياها برضاهم وأمرهم وممالأتهم جميعاً.
وروى البخاري في صحيحه (حديث رقم ٤٩٤٢)مصدر غير محددحديث رقم ٤٩٤٢ ومسلم (حديث رقم ٢٨٥٥)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٥٥ عن عبد الله بن زمعة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وذكر الناقة والذي عقرها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «{إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا}؛ انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه، مثل أبي زمعة».
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٥١)مصدر غير محدد٧/٤٥١: صاحبهم هذا كان رجلاً شريراً شقياً عزيزاً في قومه، وهو قدار بن سالف أحيمر ثمود؛ تعاطى عقرها بجرأة وبطر؛ وعقرها قطع قوائمها ثم نحرها؛ فعمهم الله بالعذاب جميعاً لأنهم رضوا بفعله وظاهروه ونادوه وشجعوه، كما قال تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ}.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٩٨)مصدر غير محدد١٧/٩٨: التعاطي في اللغة: تناول الشيء باليد، أو الإقدام على الأمر الجسيم بتكلف وجرأة؛ أي تناول السيف وتجاسر على ارتكاب ما لا يجوز ارتكابه، فعقر الناقة فخرت ساقطة إلى الأرض، وفصلها يصرخ حتى صعد الجبل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَنَادَوْا}: الفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب، نادوا فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل يعود على ثمود.
{صَاحِبَهُمْ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه، والميم للجمع، وصاحبهم هو قدار بن سالف.
{فَتَعَاطَىٰ}: الفاء عاطفة تفيد السرعة، تعاطى فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والتفاعل هنا يفيد مد الباع والجرأة وتناول السيف والإقدام على الفعل الشنيع.
{فَعَقَرَ}: الفاء عاطفة، عقر فعل ماض مبني على الفتح الظاهر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والمفعول به محذوف تقديره فعقر الناقة؛ والعقر في الأصل جرح قوائم البعير بالسيف ليسقط فيتمكن من نحره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أسرع وأقصر هذه الجمل الثلاث المعطوفة بالفاءات المتعاقبة!
{فَنَادَوْا} -> {فَتَعَاطَىٰ} -> {فَعَقَرَ}.
ثلاث فاءات للتعقيب والسرعة في ست كلمات؛ ترسم مشهد الجريمة وهي تنفذ في لمح البصر دون تردد ولا مراجعة لضمير؛ نداء فاستجابة فتناول للسيف فعقر فوري!
هذا النظم السريع يعكس عمى البصيرة وطيش القلوب التي استولت عليها نوازع الشر والجريمة.
نسبة الفعل للمجموع في الآيات الأخرى: قال هنا: {فَعَقَرَ} بالإفراد لأن المباشر قدار، وقال في سورة الشمس والأعراف: {فَعَقَرُوهَا} بالجمع؛ ليثبت أن المباشر واحد والراضين الممالئين شركاء في الجرم والإثم والعقوبة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قاعدة المسؤولية التضامنية في الجريمة:
هل كان من العدل إهلاك أمة ثمود كلها، رجالاً ونساءً وشيوخاً، بجريمة رجل واحد وهو قدار بن سالف؟
التحقيق العقلي والشرعي الصارم:
القرآن صرح بأنهم هم الذين نادوه ودفعوه وأغروه بالمال والرياسة: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ}، فكان وكيلاً عنهم وممثلاً لإرادتهم الجمعية.
صرح القرآن بأنهم رضوا بفعله واستبشروا به وشاركوا في لحمها، والراضي بالجريمة كالفاعل لها في ميزان الشريعة؛ قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «إنما عقر ناقة ثمود رجل واحد، فعمهم الله بالعذاب لما عموه بالرضا، فقال تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ}».
لم يقم فيهم رجل واحد رشيد ينكر الجريمة أو يمنع العاقر؛ فاستحقوا الاستئصال بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وممالأة المجرمين.
الدقة البلاغية في كلمة {فَتَعَاطَىٰ}: حذف مفعول تعاطى لإفادة التهويل والعموم التعبيري؛ أي تعاطى أسباب الجريمة كلها: شرب الخمر، وأخذ السيف، وتجرأ على الحرمات، وتكلف الشقاوة بيديه؛ ففي اللفظ تصوير لحركة الجسد وهو يمد يده بوقاحة لقتل الآية الإلهية.
الإضافة في {صَاحِبَهُمْ}: إضافة تدل على الملازمة والمشاكلة؛ فهو صاحبهم في الأخلاق والشر والطباع، لم يكن غريباً عنهم بل نتاج بيئتهم الفاسدة.
الإشارة التدبرية: خطوات الشيطان سريعة وخاطفة؛ تبدأ بفكرة وتشجيع، ثم تعاطٍ واقتراف، ثم عقر وهلاك؛ فالحذر من الوقوع في أول خطوة من خطوات المنكر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
خطورة الرضا بالمنكر والسكوت عنه: تحذير الأمة من السكوت عن جرائم المفسدين؛ فإن سكوت المجتمع عن منكرات الفجار يستجلب العقوبة العامة على الصالح والطالح.
نبذ المجرمين والتحذير من إكرامهم: ألا تقدم المجتمعات أراذلها وسفهاءها لقيادتها؛ فتقديم قدار أورد ثمود المهالك.
تعظيم حرمات الله وشعائره: الحذر من المساس بشعائر الله أو الاستهانة بمعجزاته وأوامره؛ فإن التجرؤ على الحرمات سبب حلول البأس العاجل.