تصف الآية الكريمة وقوع العذاب النهائي المستأصل بقوم لوط في صبيحة اليوم التالي لطمس أعينهم؛ حيث انقضت مهلة الليل وبدأ الصباح بعذاب دائم مستقر لا انقطاع له ولا رجعة عنه.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٢٩)مصدر غير محدد٢٢/٥٢٩ عن قتادة ومجاهد في قوله: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ}: قال: صبَّحهم العذاب وقت الصبح وبكرة النهار مع شروق الشمس؛ فقلب الله ديارهم وجعل عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل، {عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ}: قال: استقر بهم العذاب حتى أهلكهم في الدنيا وأفضى بهم إلى عذاب النار في الآخرة، فكان عذاباً لازماً مستقراً لا يزول عنهم أبداً.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٥٣)مصدر غير محدد٧/٤٥٣: أي جاءهم العذاب صباحاً مبكراً لا مرد له؛ وهو قلب مدائنهم بالحجارة المنضودة، كما قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ}؛ ووصفه بأنه مستقر؛ أي دائم متصل بعذاب البرزخ والقيامة.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٠١)مصدر غير محدد١٧/١٠١: صَبَّحَهم: أي أتاهم صباحاً؛ والبكرة أول النهار؛ والعذاب المستقر هو الذي استقر فيهم حتى أبادهم ونقلهم إلى نار جهنم، فلا يرفعه رافع ولا يخفف عنهم منه ساعة.
وفي التحرير والتنوير: تصدير الجملة بالقسم وتحقيق النسبة {وَلَقَدْ} لتحقيق نزول العقوبة وبلوغ الأجل المضروب في موعده المحدد بلا تأخير دقيقة واحدة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَقَدْ}: الواو واو القسم، اللام للتوكيد، قد حرف تحقيق.
{صَبَّحَهُم}: صبّح فعل ماض مبني على الفتح الظاهر، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول، والميم للجمع، والتصبيح إتيان الشيء في وقت الصباح، وتستعمله العرب في الغارات والجيوش المهلكة كقولهم: صبّحكم الجيش!
{بُكْرَةً}: ظرف زمان منصوب على الظرفية وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، متعلق بالفعل صبّحهم، والبكرة أول النهار عند طلوع الفجر والشمس.
{مُّسْتَقِرٌّ}: نعت لعذاب مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وصيغته اسم فاعل من استقر يستقر؛ أي دائم لازم ثابت لا يبرحهم ولا يزول حتى يوردهم جهنم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع دقة المواقيت في النظم القرآني!
في الآية (٣٤) قال: {نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ}؛ نجاة المؤمنين في عتمة السحر.
وفي هذه الآية قال: {صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ}؛ هلاك الكافرين في وضح الصباح وأول النهار.
هذا التقابل النظمي الزماني المحكم (السحر للمؤمنين / والبكرة للمكذبين) يصور دقة موازين الله وسننه؛ فلا يختلط الأمان بالعذاب، بل يفرز الصالحون إلى النجاة وينحصر الفجار في ساحة الدمار.
توافق لفظ {مُّسْتَقِرٌّ} هنا مع قوله في مطلع السورة: {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ}؛ في ترابط لفظي ومعنوي يثبت أن عذاب الكافرين مستقر ثابت في الأزل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
أثبتت الدراسات الجيولوجية الحديثة أن منطقة حوض البحر الميت (أخفض بقعة على وجه الأرض، -٤٣٠ متراً تحت مستوى سطح البحر) تعرضت لكارثة تكتونية وزلزالية وانفجارية هائلة في العصر البرونزي القديم؛ حيث انشقت الأرض وتفجرت طبقات القار والنفط والغاز، وانهارت القرى والمدن في حفرة الانهدام العظمى، وأمطرت السماء صخوراً كبريتية ملتهبة؛ مما يطابق الوصف القرآني الدقيق في قلب الديار وإمطار الحاصب والحجارة.
معنى استقرار العذاب: العذاب استقر فيهم؛ أي لم يكن مجرد عارض مؤقت يمر بهم ثم يشفون منه، بل استقر في أجسادهم موتاً وهلاكاً، واستقر في أرواحهم عذاباً برزخياً متصلاً بنار جهنم.
الإشارة التدبرية: الأمان الكاذب في المساء قد ينقلب إلى عذاب مستقر في الصباح؛ فكم من آمن بات في معصيته فأصبح في دار الخسران والندامة!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الخوف من مباغتة الأجل والعذاب: توجيه المسلم إلى الحذر الدائم من مباغتة الموت وهو على معصية؛ فالصبح والمساء موعدان يتقلب فيهما الإنسان بين نعم الله وأقداره.
الاستعاذة بالله من العذاب المستقر: لزوم الدعاء بالنجاة من عذاب القبر وعذاب النار، والاستقرار في جنات النعيم.
تعميق اليقين بصدق أنباء القرآن: الاستدلال بآثار البحر الميت ومواقع سدوم على حقيقة الوحي وقدرة الله العادلة.