تكشف الآية الكريمة الموقف النفسي الجاحد لكفار قريش عند معاينتهم لمعجزة انشقاق القمر، وتبرهن على أن آفة الكفر ليست نقص البراهين بل رين القلوب.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٩٨)مصدر غير محدد٢٢/٤٩٨ عن مجاهد وقتادة والضحاك في قوله: {وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ}: قال: لما انشق القمر قال مشركو قريش: هذا سحر سحرنا به ابن أبي كبشة، فقال بعضهم: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فانتظروا السفار والركبان الذين يقدمون من الآفاق؛ فقدم الركبان من كل ناحية وسألوهم فقالوا: نعم رأينا القمر قد انشق ليلة كذا فرقتين! فلما ثبتت الرؤية أعرضوا وقالوا: هذا سحر مستمر دائم سائر في الآفاق، فكذبوا بعد قيام الحجة.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٥)مصدر غير محدد٧/٤٤٥: أي وإن ير هؤلاء المشركون دلالة وحجة وبرهاناً باهراً على صدق الرسول يعرضوا عن تصديقها وقبولها، ولا يلتفتوا إليها، بل يقولوا تكذيباً وبهرجة: هذا سحر مستمر؛ أي سحر باطل ذاهب مضمحل لا يدوم، وقيل مستمر أي دائم مطرد متكرر يمر بنا وقتاً بعد وقت.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٨٤)مصدر غير محدد١٧/٨٤: مستمر مأخوذ من المِرّة وهي القوة؛ أي سحر قوي محكم، أو من الاستمرار وهو الدوام والاطراد؛ أي هذا ديدنه وسيرته في إبهار العيون بسحره، أو من المَرَارة وهي البشاعة؛ أي سحر مر بشع لا نحبه.
وفي التحرير والتنوير: تنكير {آيَةً} يفيد التعميم؛ أي أيّ آية عظيمة يرونها من خوارق العادات ومعجزات السماء لا تحرك فيهم رغبة الإيمان، بل يقابلونها بالإعراض والتكذيب الجاهز.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَإِن}: الواو عاطفة أو استئنافية، إن حرف شرط جازم مبني على السكون.
{يَرَوْا}: فعل مضارع مجزوم فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والرؤية بصرية تتعدى لمفعول واحد.
{آيَةً}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والآية لغة العلامة والدلالة الظاهرة المنصوبة للتعريف بالشيء.
{يُعْرِضُوا}: فعل مضارع مجزوم جواب الشرط وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل، والإعراض الصد والتحول بالوجه والبدن والقلب عن الشيء.
{وَيَقُولُوا}: الواو عاطفة، يقولوا فعل مضارع معطوف على يعرضوا مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
{سِحْرٌ}: خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذا سحر، مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والسحر إظهار الباطل في صورة الحق أو التخييل بحيل خفية.
{مُّسْتَمِرٌّ}: نعت لسحر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وصيغته اسم فاعل من استمر يستمر استمراراً، إذا ثبت ودام ومضى على نسق واحد، أو من مرّة الشيء وقوته، والجملة الاسمية مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الانتقال من تصوير المعجزة الكونية الحية {وَانشَقَّ الْقَمَرُ} إلى تصوير رد الفعل البشري السقيم {يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ}! فالنظم يبرز التناقض الصارخ بين عظمة الآية الإلهية وحقارة التبرير الإنساني المعاند.
صيغة الشرط {وَإِن يَرَوْا آيَةً}: تدل على استقرار هذه الخصلة السيئة في نفوسهم؛ فليست المشكلة في نوع الآية، بل المشكلة في منهج التلقي؛ فلو تكررت الآيات وتنوعت بين أرض وسماء لما زادهم ذلك إلا عتواً ونفوراً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التحليل النفسي والمنطقي لفرية (السحر المستمر):
السحر عند جميع العقلاء حيلة بصرية ونفسية محدودة في الزمان والمكان؛ تعتمد على خفة اليد أو التأثير النفسي في الحاضرين في حيز مغلق، ولا يمكن لسحر أن يتسلط على الأجرام الفلكية في السماء، ولا أن يشاهده البعيد والقريب والغائب في البوادي والأمصار على بعد آلاف الأميال بسواء.
فقولهم {سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} هو اعتراف منهم بعجزهم عن كشف حيلة السحر المزعومة، واضطرار إلى وصفه بالقوة والاستمرار؛ فصار دفاعهم الباطل حجة عليهم في عظمة المعجزة وخرقها للنواميس.
كشف مرض الهوى: العقل المعاند لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن (مخرج نفسي) يبرر به بقاءه على امتيازاته ورئاساته؛ فكان وصف السحر أهون الأكاذيب لديهم لصد الدهماء عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم.
الإيجاز بحذف المبتدأ في {سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ}: لإظهار التسرع والحرص الشديد على إلقاء التهمة دون تأمل أو تفكير.
دلالة الوصف بـ{مُّسْتَمِرٌّ}: جمعت الكلمة دلالات بيانية ثرية؛ فهو مستمر في الزعم الباطل بمعنى قوي، أو مستمر بمعنى دائم الوقوع، أو مستمر بمعنى ماضٍ إلى زوال ومحكوم عليه بالبطلان في نظرهم، مما يعكس اضطراب تصوراتهم.
الإشارة التدبرية: لا تستغرب مكابرة أهل الباطل في زمانك؛ فالذي رأى القمر منشقاً بأم عينيه وقال سحر مستمر، لن يعجزه أن ينكر أي حقيقة واضحة دفاعاً عن باطله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير الداعية من الشعور بالتقصير عند إعراض الخصوم: تعليم الدعاة أن امتناع الناس عن قبول الحق ليس دائماً لخلل في طريقة العرض؛ فالأنبياء أيدوا بالمعجزات الباهرة وقوبلوا بالإعراض، والواجب هو البلاغ المبين.
الحذر من التعصب للأهواء: تحذير المسلم من أن يقوده التعصب لمذهب أو فكرة أو حزب إلى رفض الأدلة الصحيحة وتأويلها بالباطل كما فعل المشركون.
ترسيخ الفطرة الصادقة: الاستسلام لبراهين الوحي بقلب متواضع، وطلب الهداية من الله تعالى بصدق وإخلاص.