هذا مطلع هائل وقارع يزلزل القلوب؛ يفتتح به الحق جل جلاله السورة الكريمة بإعلان دنو القيامة وخرق الناموس الكوني المشهود بمعجزة انشقاق القمر نصفين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، سورة اقتربت الساعة، حديث رقم ٤٨٦٤)مصدر غير محددحديث رقم ٤٨٦٤ ومسلم (كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب انشقاق القمر، حديث رقم ٢٨٠٠)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٠٠ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى إذ انفلق القمر فلقتين؛ فكانت فلقة وراء الجبل، وفلقة دونه، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشهدوا اشهدوا».
وروى البخاري (حديث رقم ٣٨٦٨)مصدر غير محددحديث رقم ٣٨٦٨ ومسلم (حديث رقم ٢٨٠٢)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٠٢ عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما.
وروى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٩٥)مصدر غير محدد٢٢/٤٩٥ عن مجاهد وقتادة وابن عباس وجبير بن مطعم نحو ذلك، وقال الطبري: أجمع أهل العلم بالتأويل ونقلة الأخبار على أن القمر انشق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة آية له وتصديقاً لنبوته.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٤)مصدر غير محدد٧/٤٤٤: يخبر تعالى عن اقتراب الساعة وفناء الدنيا ودنو الحساب، كقوله تعالى في مطلع سورة الأنبياء: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ}، وكان انشقاق القمر من الآيات الباهرات الدالة على صدق الرسول ودنو القيامة؛ لأن انشقاقه انخراق لنظام السماء وإيذان بقرب خراب العالم وزواله.
ونقل القرطبي (ج ١٧، ص ٨٢)مصدر غير محدد١٧/٨٢ إجماع السلف والخلف من المفسرين والمحدثين على ثبوت انشقاق القمر عيناً وحساً، ورد زعم من قال: سينشق يوم القيامة؛ لأن الأحاديث الصحيحة المتواترة قاطعة بأنه انشق بمكة ورآه الناس بالعيان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{اقْتَرَبَتِ}: فعل ماض مبني على الفتح الظاهر، والتاء للتأنيث وحركت بالكسر لالتقاء الساكنين، والافتغال هنا يفيد المبالغة في القرب وتوكيده؛ فالاقتراب أبلغ من القرب، مأخوذ من قَرُب الشيء إذا دنا زمانه أو مكانه.
{السَّاعَةُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وأصل الساعة في اللغة الجزء القصير من الزمان، وغلب في عرف الشرع والتنزيل على القيامة الكبرى لما فيها من المباغتة والسرعة في الحساب.
{وَانشَقَّ}: الواو عاطفة لمطلق الجمع، انشق فعل ماض مبني على الفتح الظاهر، ومطاوعته بالنون تدل على الانفلاق والتصدع الذاتي بقوة القادر سبحانه، مأخوذ من الشق وهو الصدع في الشيء المتماسك.
{الْقَمَرُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والقمر الجرم السماوي المضيء المعروف، سمي قمراً لبياضه وإشراقه، مأخوذ من القُمرة وهي البياض.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا الافتتاح الصادم للغافلين! لم يأت مسبوقاً بقسم ولا بنداء، بل بادر النظم بإلقاء الحقيقة الكبرى المجردة: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} لإحداث رجفة في القلوب المسترخية وإيقاظ الأسماع من سبات الإلف والعادة.
عطف {وَانشَقَّ الْقَمَرُ} على {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ}: يحمل دلالة نظمية عميقة؛ فالانشقاق ليس مجرد معجزة خاصة بصدق النبوة فحسب، بل هو علامة من أشراط الساعة الكبرى الدالة على أن هذا الفلك المحكم قد بدأ نظامه بالانفراط، وأن خالقه قادر على تصديعه وتبديله متى شاء.
التناسب مع ختام سورة النجم السابقة: حيث ختمت النجم بقوله تعالى: {أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ}، فافتتحت القمر بقوله: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ}؛ فأزفت الآزفة واقتربت الساعة متطابقان في المعنى، مما يحقق أعلى درجات الالتحام النظمي بين السور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على شبهة الطاعنين في معجزة انشقاق القمر:
أثار بعض الملاحدة والمستشرقين شبهة فقالوا: لو انشق القمر لرآه أهل الأرض قاطبة وسجلته مراصد الروم وفارس والهند!
والتحقيق العلمي والتاريخي الحاسم يدحض هذه الشبهة من وجوه:
اختلاف المطالع والليل والنهار: القمر لم ينشق إلا في وقت معين من الليل، وفي هذا الوقت كانت نصف الكرة الأرضية نهاراً أو صبحاً مشرقاً لا يرى فيه القمر، وأجزاء واسعة من النصف الآخر كانت غارقة في النوم، أو كانت سماؤها ملبدة بالغيوم والضباب.
عدم ترصد الناس للرؤية: الأحداث الفلكية المفاجئة السريعة (كالشهب والكسوف القصير) لا يراها إلا من كان ناظراً إلى السماء في تلك اللحظة بالذات، ولم تكن هناك مراصد فلكية منظمة تدون السماء في كل ساعة في تلك العصور.
ورود الروايات التاريخية الخارجية: ثبت في تاريخ الهند القديم (تاريخ مالابار) أن ملكاً من ملوك الهند رأى انشقاق القمر ليلتئذ وسأل عن سببه فأخبر بظهور نبي في مكة، فأسلم وأرسل وفداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كما نقل ذلك الحاكم في المستدرك وغيره.
اتفاق قريش المعاندة على وقوعه: لو لم يقع الانشقاق عيناً لكذّبت قريش الخبر فور نزول هذه الآية في مكة وقالت: أنت تكذب ما رأينا قمراً انشق؛ فلما لم ينكروا الانشقاق بل لجأوا إلى القول {سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ}، دل ذلك دلالة قطعية على أنهم رأوا الحدث بأعينهم وعجزوا عن جحده، فلجأوا إلى التأويل الباطل بالسحر.
التعبير بصيغة الفعل الماضي {اقْتَرَبَتِ... وَانشَقَّ}: لتحقيق الوقوع وتقريبه؛ فما هو آت وقريب حتمي في علم الله يعبر عنه بالماضي لشدة تيقنه واستقراره كأنه قد وقع وانقضى.
براعة المطلع (حسن الابتداء): حيث تضمن المطلع إيجازاً معجزاً؛ كلمتان في الصدر وكلمتان في العجز، لكنهما جمعتا مصير الكون والزمان والمعجزة الكبرى.
الإشارة التدبرية: قصر عمر الدنيا وسرعة زوالها؛ فمنذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وانشقاق القمر والدنيا في شفقها الأخير؛ كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «بُعثتُ أنا والساعة كهاتين»، وقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قصر الأمل والاستعداد للميعاد: إحياء اليقظة في قلب المؤمن بأن الدنيا دار ارتحال وأن الساعة قد دنت، فلا ينبغي الركون إلى الشهوات والغفلة عن زاد الآخرة.
اليقين بقدرة الله المطلقة: استشعار المؤمن لعظمة الخالق الذي تصدع لقدرته الجبال والأفلاك؛ فمن فلق القمر قادر على تفريج كل كرب وهداية كل ضال.
عدم الاغترار بمقاييس البشر: توجيه المسلم إلى أن الحقائق الكبرى للغيب والقدر لا تخضع لحسابات المادة الصماء، بل تسير بمشيئة الله العليم القدير.