هذا استفهام تقريري تهويلي هائل، يوقف المكذبين أمام هول العقوبة وصدق الإنذار الإلهي؛ ليقرر كل عاقل فظاعة العذاب الذي حل بقوم نوح وصدق ما أنذرتهم به الرسل.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥١٢)مصدر غير محدد٢٢/٥١٢ عن قتادة ومجاهد في قوله: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}: قال: كيف رأيتم عذابي لمن كذب رسلي وجحد آياتي؟ وكيف رأيتم صدق نذري التي أنذرتهم بها على ألسنة الرسل؟ ألم يكن عذاباً واقعاً حقاً محيطاً أهلكهم عن آخرهم؟!
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٨)مصدر غير محدد٧/٤٤٨: أي كيف كان عذابي لمن كفر بي وكذب رسلي ولم يزدجر بنذري، وكيف كان انتصاري لأوليائي؟ لقد كان عذاباً شديداً أليماً وصدقاً لا مرية فيه؛ والإنذار نذير لمن يعتبر، والجمع بين العذاب والنذر للتنبيه على أن العذاب لم ينزل ظلماً بل نزل بعد إعذار وإنذار متواصل.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٩٣)مصدر غير محدد١٧/٩٣: الاستفهام هنا معناه التهويل والتعظيم؛ أي لقد كان عذاباً هائلاً لا يحيط بوصفه ناعت، ونذري صادقة حقاً؛ والنذر جمع نذير وهو الإنذار، أو الرسل المنذرون؛ وحذفت ياء المتكلم من {عَذَابِي} رسماً في قوله {وَنُذُرِ} للتخفيف وفواصل الآيات.
وفي التحرير والتنوير: الفاء للتفريع عن قصة نوح ومصير قومه؛ والاستفهام لطلب الإقرار والتسليم بما شوهد من مصارعهم، لتحذير كفار قريش من أن يحل بهم ما حل بأولئك.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَكَيْفَ}: الفاء فصيحة مفرعة على ما تقدم، كيف اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر كان مقدم لكونه من أسماء الصدارة، والاستفهام خرج مخرج التهويل والتعظيم والتقرير.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح الظاهر.
{عَذَابِي}: اسم كان مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
{وَنُذُرِ}: الواو عاطفة، نُذُر معطوف على عذابي مرفوع بالضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة رسماً للتخفيف وفواصل الآي، والكسرة دليل على الياء المحذوفة؛ وأصله: ونُذُري.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع هذا التلخيص النظمي الصاعق في ختام قصة نوح!
استعرضت الآيات تفاصيل الواقعة: التكذيب، الزجر، الدعاء، الطوفان من السماء والأرض، السفينة، والنجاة.
ثم جاء هذا السؤال: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}؛ ليلخص التجربة كلها في جملة استفهامية تهويلية تملأ القلوب هيبة وتترك الجواب مفتوحاً للوجدان البشري ليتصور أبعاد ذلك الهول.
اقتران {عَذَابِي} بـ{وَنُذُرِ}: يرسخ عدالة الله؛ فالعذاب لم يكن بطشاً مفاجئاً بغير بيان، بل كان مسبوقاً بإنذار دام قروناً، فلما لم تجدِ النذر حق العذاب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة الاستفهام التقريري:
القرآن لا يسأل لجهل، بل يسأل لإلزام الخصم بالاعتراف القهري؛ فكفار قريش وكل مكذب يسمع هذا السؤال لا يملك إلا أن يقول في قرارة نفسه: لقد كان عذاباً عظيماً قاصماً لا مرد له، ونذراً صادقة لا شك فيها؛ وهذا الإقرار الباطن هو مقدمة الهداية والرجوع إلى الحق.
الرد على من يستخف بالإنذار الإلهي: الاستهزاء بآيات الله في زمن الرخاء ينقلب إلى صراخ وويلات في زمن نزول العذاب؛ وسنة الله ماضية في أخذ المكذبين.
الإيجاز في حذف الجواب: حذف جواب الاستفهام {فكيف كان؟} لأن المشاهد المتقدمة للطوفان وغرق أهل الأرض كفت في الجواب، ولأن العبارة تقصر عن وصف ذلك العذاب الهائل.
حذف ياء المتكلم في {وَنُذُرِ}: إضافة إلى تناسب الفواصل الصوتية للسورة (مستقر، مزدجر، نكر، دسر، ونذر)، يحمل سرعة في اللفظ وانقباضاً في الصوت يناسب هول الموقف وسرعة وقوع البطش.
الإشارة التدبرية: عذاب الله لا طاقة لأحد به؛ ونذره قائمة بين أيدينا في كل صفحة من صفحات القرآن؛ فالسعيد من خاف العذاب قبل حلوله وأجاب النذير.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إيقاظ مشاعر الخوف والرجاء: ترسيخ الخشية من عذاب الله وبأسه في القلوب، والحذر من الأمن من مكر الله {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}.
تصديق نذر الأنبياء: اليقين بأن كل ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم من عذاب القبر والقيامة والنار واقع لا محالة كما وقع طوفان نوح.
المسارعة في التوبة: استثمار مهلة الحياة والرخاء قبل أن تفجأ صواعق العذاب التي لا تنفع معها توبة ولا إنابة.