تنتقل السورة الكريمة إلى المشهد التاريخي الثاني من مصارع المكذبين، وهو نبأ قبيلة عاد الجبارة في بلاد الأحقاف بحضرموت، التي كذبت نبي الله هوداً عليه السلام واغترت بقوتها المادية.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥١٥)مصدر غير محدد٢٢/٥١٥ عن قتادة ومجاهد في قوله: {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}: قال: كذبت عاد نبيها هوداً عليه السلام، وأصرت على الشرك وعبادة الأوثان وافتخرت بقوتها وقالوا: من أشد منا قوة؟ فأنزل الله عليهم عذاباً استأصلهم؛ فكيف كان ذلك العذاب وبأسه لمن عصى ربه؟ وكيف كان صدق نذر الرسل فيهم؟!
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٨)مصدر غير محدد٧/٤٤٨: هذا إخبار عن أمة عاد الأولى وما حل بهم من البأس العظيم والانتقام القاهر؛ حين كذبوا رسولهم هوداً عليه السلام فدمرهم الله بالريح العاتية؛ {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} استفهام تهويل وتقريع يراد به الاعتبار والتخويف لمشركي قريش ومن على شاكلتهم.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٩٤)مصدر غير محدد١٧/٩٤: حذف مفعول كذبت؛ أي كذبت هوداً أو كذبت بالرسالة والنذر، وقدم الاستفهام {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} هنا قبل ذكر تفصيل العذاب تشويقاً للسامع وتهويلاً للمشهد الآتي.
وفي التحرير والتنوير: إيجاز قصة عاد في بضع آيات مع تكرار الاستفهام واللازمة يعطي الإيقاع سرعة تتناسب مع سرعة الريح الصرصر التي أهلكتهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{كَذَّبَتْ}: فعل ماض مبني على الفتح الظاهر، والتاء للتأنيث وحذفت مفعولاته لإفادة التعميم.
{عَادٌ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهي قبيلة عربية قديمة سكنت الأحقاف في جنوب جزيرة العرب، وسميت باسم جدهم عاد بن عوص بن إرم.
{فَكَيْفَ}: الفاء فصيحة، كيف اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر كان مقدم، والاستفهام للتهويل والتعظيم والتقرير.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح الظاهر.
{عَذَابِي}: اسم كان مؤخر مرفوع بالضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
{وَنُذُرِ}: الواو عاطفة، نُذُر معطوف مرفوع بالضمة المقدرة على ياء المتكلم المحذوفة رسماً وفواصل، والكسرة دليل عليها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الانتقال من عذاب الماء (الطوفان في قصة نوح) إلى عذاب الهواء والريح (الصرصر في قصة عاد)!
أهلك الله قوم نوح بالماء الغامر من السماء والأرض.
وأهلك قوم عاد بالريح العاتية الهادرة التي تنزع الأجساد.
ليعلم الإنسان أن عناصر الطبيعة التي تقوم عليها حياته (الماء والهواء) هي ذاتها أدوات إهلاكه متى تمرد واستكبر؛ فالخالق يسخر الجند بما يشاء.
تصدير القصة بالاستفهام {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} في مطلعها (هنا) وفي ختامها (الآية ٢١): يحيط القصة بإطار من الرعب والتهويل الشديد، مما يشد انتباه السامع لمعرفة كنه هذا العذاب الهائل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفنيد الاغترار بالقوة المادية والبدنية:
كانت قبيلة عاد آية في القوة الجسدية والعمرانية، كما قال تعالى: {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ}، وكانوا يظنون أن حصونهم وأجسامهم الضخمة تمنعهم من عذاب الله {وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}.
فبين القرآن أن قوتهم كانت هباءً منثوراً أمام جندي لطيف غير مرئي من جنود الله وهو الريح؛ فالريح التي لا يمسكها البصر حطمت قاماتهم ونكست رؤوسهم؛ وهذا برهان عقلي على تفاهة القوة البشرية أمام بطش الجبار.
عدالة العقوبة: عاد كذبت بنذر هود مراراً، فكان عذابها نابعاً من إصرارها على المكابرة بعد قيام البينات.