تصف الآية الكريمة وسيلة النجاة الربانية التي أنجى الله بها نبيه نوحاً عليه السلام ومن آمن معه فوق لجج الطوفان الهائل، ببيان كمال اللطف والتدبير في أضعف الأسباب المادية.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٠٩)مصدر غير محدد٢٢/٥٠٩ بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ}: قال: ذات ألواح: السفينة، وألواحها خشبها العريض، والدُّسُر: المسامير التي تُشد بها ألواح السفينة، واحدها دِسَار؛ وقيل: الدسر خيوط الليف التي تشد بها الألواح وتُدس بها الخروق، وأكثر المفسرين على أنها المسامير التي تدسر بها ألواح الخشب؛ أي تُدق وتُدخل فيها بقوة لإحكام اتصالها.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٧)مصدر غير محدد٧/٤٤٧: أي وحملنا نوحاً ومن معه من المؤمنين على سفينة مصنوعة من خشب مصفف عريض ومسامير مشدودة، كناية عن السفينة بذكر مادتها وصفتها؛ ولم يذكر اسم السفينة هنا بل عدل إلى صفتها تهويلاً لأمر النجاة وبياناً لعظيم قدرة الله؛ إذ نجى أولياءه بأخشاب ومسامير ضعيفة فوق أمواج كالجبال التقت فيها مياه السماء والأرض.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٩١)مصدر غير محدد١٧/٩١: الدسر: جمع دسار، وهو المسمار، سمي بذلك لأنه يدسر به؛ أي يدفع ويدق بقوة؛ والدسر الدفع الشديد، ومنه الحديث: «ليس في العَنْبَر زكاة، إنما هو شيء دسره البحر»؛ أي دفعه ورماه موجه إلى الساحل.
وفي التحرير والتنوير لابن عاشور: العدول عن لفظ السفينة أو الفلك إلى {ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} من بديع الكناية بالصفة عن الموصوف؛ للتنبيه على بساطة هذا المركب المصنوع بأيدي البشر الضعيفة، وأن نجاته لم تكن بمتانة مادته في ذاتها بل بحفظ الله وكلاءته التي تجري بها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَحَمَلْنَاهُ}: الواو عاطفة، حملنا فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و(نا) ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل يعود على الله جل جلاله، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به يعود على نوح عليه السلام.
{عَلَىٰ}: حرف جر يفيد الاستعلاء الحقيقي والمجازي.
{ذَاتِ}: اسم مجرور بعلى وعلامة جره الكسرة الظاهرة وهو مضاف، والجار والمجرور متعلق بالفعل حملناه، وذات صفة لموصوف محذوف تقديره: سفينة ذات ألواح.
{أَلْوَاحٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والألواح جمع لَوْح، وهو الخشب المنبسط العريض.
{وَدُسُرٍ}: الواو عاطفة، دسر معطوف على ألواح مجرور بالكسرة الظاهرة، وهو جمع دِسَار بكسر الدال، وهو المسمار أو الحبل الذي تُدس به الألواح وتُشد به.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع هذه المقابلة الكونية المهيبة!
في الآيتين السابقتين استعرض القرآن قوى الدمار الهائلة: انهمار السماء وتفجر الأرض والتقاء الماء على أمر قد قدر، حيث غمرت المياه قمم الجبال وطغت على معالم الأرض.
وهنا استعرض وسيلة النجاة: بضعة ألواح خشبية شُدّت بمسامير: {ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ}؛ ليبرز التفاوت الصارخ بين جبروت الطوفان وبساطة أسباب النجاة، ليعلم العقل أن النجاة لم تكن بالخشب والمسامير بل بيد مجري السحاب وهازم الأحزاب سبحانه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإلزام العقلي في الأخذ بالأسباب والتوكل على مسببها:
لماذا أمر الله نوحاً بصنع السفينة وجمع الخشب والمسامير مع أن الله قادر على إنجائه بلا سفينة؟
التحقيق العقلي والشرعي: إرساء لقانون عمارة الأرض والأخذ بالأسباب المشروعة؛ فالأنبياء مؤمرون بالسعي البشري المتاح ليكونوا قدوة لأممهم، ثم تفويض النتيجة لله تعالى؛ فبذل نوح أقصى ما في وسعه في الصناعة، ولكن اعتماده القلبي كان على ربه، ولذلك عقب مباشرة بقوله: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا}؛ فالألواح والدسر أسباب ظاهرية، والحفظ الإلهي هو العاصم الحقيقي.
دلالة الدسر: المسامير والروابط تؤكد أن سفينة نوح صُنعت بصنعة متقنة محكمة بإرشاد الوحي الإلهي {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا}، مما ينفي العشوائية ويثبت شرف الصناعة والحرف النافعة في تاريخ النبوات.
الكناية عن الموصوف بالصفة: التعبير بـ{ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} من أعف وأبلغ الكنايات في القرآن؛ حيث استحضر عناصر المركب الأساسية (السطح والرابط) لتجسيد صورة البناء والتجميع قطعة قطعة تحت عين الله.
التقديم والتنكير في {أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ}: نكر الألواح والدسر لبيان جنسها المألوف؛ أي ألواح عادية ومسامير عادية، لكنها صنعت التاريخ البشري الجديد وحملت نسل الناجين.
الإشارة التدبرية: شريعة الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم هي سفينة نوح في بحور الفتن المعاصرة؛ فمن ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهلك ولو أوى إلى جبل من الشبهات والأموال.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إتقان العمل والأخذ بالأسباب: حث المسلمين على تعلم الصناعات والمهارات والحرف المتقنة؛ فنوح نبي كريم بنى السفينة بيده بإتقان ومسامير، والعمل الشريف من هدي الأنبياء.
التوكل الحقيقي على الله: أن يجمع المؤمن بين السعي بالأسباب المتاحة واليقين بأن النجاة بفضل الله ورحمته وحدها لا بالأسباب المجردة.
رعاية الأقلية المؤمنة: تسلية للمستضعفين بأن الله يكلأ أتباع الحق ولو كانوا قلة مستضعفة في قارب صغير وسط أمواج الباطل المتلاطمة.