تبين الآية الكريمة نوع العذاب الذي صُب على قوم لوط، وتستثني آل لوط المؤمنين الذين أنجاهم الله في وقت السحر قبيل طلوع الفجر.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٢٦)مصدر غير محدد٢٢/٥٢٦ عن قتادة وابن عباس ومجاهد في قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا}: قال: الحاصب: ريح شديدة تحصب بالحجارة وترمي بها؛ أرسل الله عليهم حجارة من سجيل من السماء فحصبهم بها حتى قتلتهم، {إِلَّا آلَ لُوطٍ ۖ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ}: قال: استثنى الله لوطاً وابنتيه، فأخرجهم الله من القرية في آخر الليل في وقت السحر، فنجوا من الحاصب والعذاب الذي أهلك القوم.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٥٢)مصدر غير محدد٧/٤٥٢: أي أرسلنا على أهل سدوم حجارة من السماء ترميهم بها ريح عاصفة قاطعة، كما قال تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ}؛ واستثنى من ذلك أهل بيت لوط عليه السلام المؤمنين وهم لوط وابنتاه؛ أما امرأته فكانت كافرة أصابها ما أصاب قومها؛ ونجاهم بسحر وهو قبيل الصبح لئلا يدركهم العذاب.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٠٠)مصدر غير محدد١٧/١٠٠: الحاصب: الريح التي تثير الحصباء وترمي بها، وقيل: الحجارة نفسها؛ والسَّحَر: هو السدس الأخير من الليل قبيل الفجر الصادق، وصُرف هنا لأنه نكرة أريد به سحر من الأسحار غير معين بيوم بعينه، أو لأنه في موضع جر بالباء.
وفي التحرير والتنوير: الاستثناء في {إِلَّا آلَ لُوطٍ} استثناء متصل؛ أخرج الفئة المؤمنة القليلة الصادقة من عموم العذاب، لبيان أن رحمة الله تكلأ أولياءه في أحلك ساعات النقمة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّا}: إن حرف توكيد ونصب، و(نا) اسمها يعود على العظمة الإلهية.
{أَرْسَلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا، و(نا) فاعل، والجملة في محل رفع خبر إن.
{عَلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلق بالفعل أرسلنا.
{حَاصِبًا}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والحاصب في اللغة الريح التي ترمي بالحصباء وهي صغار الحجارة، أو المطر المشتمل على الحجارة.
{إِلَّا}: حرف استثناء مبني على السكون.
{آلَ}: مستثنى منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف، والآل الأهل والأتباع على الدين الحق، والمراد لوط وابنتاه دون امرأته الكافرة.
{لُوطٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{نَّجَّيْنَاهُم}: نجينا فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا، و(نا) فاعل، والهاء مفعول به والميم للجمع، والجملة مستأنفة أو حالية.
{بِسَحَرٍ}: الباء للظرفية الزمانية، سحر اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة منصرفاً، والجار والمجرور متعلق بالفعل نجيناهم؛ والسحر بياض الصبح يعلو سواد الليل في آخر الليل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الجمع بين مظهر البطش الصاعق ومظهر الرحمة الحانية في آية واحدة!
وعجز الآية: {إِلَّا آلَ لُوطٍ ۖ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ}؛ نجاة وسلام وهدوء في وقت السحر المبارك لأهل الإيمان.
ليعلم كل موحد أن بطش الله بأعدائه مقرون بلطفه التام بأوليائه؛ فالريح التي تحصب الكافرين هي ذاتها التي تسوق النجاة للمؤمنين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دقة التوقيت في سُنن الإهلاك والإنجاء:
لماذا كان وقت النجاة {بِسَحَرٍ}؟
لأن العذاب كان موعده الصبح كما في سورة هود: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}؛ فكان وقت السحر هو الحد الفاصل بين الأمان والعذاب؛ فأخرج الله أولياءه في عتمة السحر ليكونوا في مأمن بعيدين عن ساحة الكارثة حين تنفجر براكين الغضب مع أول خيوط الفجر.
خروج امرأة لوط من الآل: الآل في لغة القرآن هم الأتباع على العقيدة والإيمان؛ فلما خانت امرأة لوط عقيدة زوجها ورضيت بفاحشة قومها، سلبها الله شرف النجاة وعدت من الغابرين الهالكين، مما يؤكد أن قرابة النسب لا تغني عن العبد شيئاً مع فساد العقيدة.
تنكير {حَاصِبًا}: للتهويل والفظاعة؛ فهو حاصب سماوي لا طاقة لحي بمواجهته.
تنكير {سَحَرٍ}: تنكير زمني يدل على مباغتة النجاة وخفائها؛ حيث تسللوا في هدوء الليل وسكينته تحت كنف الله وحراسته.
الإشارة التدبرية: وقت السحر وقت النفحات والنجاة واستجابة الدعوات؛ ففيه يتنزل الرب تبارك وتعالى، وفيه ينجي الله أولياءه من المهالك؛ فما أسعد من عمر أسحاره بالاستغفار والتضرع!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بنجاة أهل الصلاح: طمأنة قلوب المؤمنين في أزمنة الفتن والفساد العام بأن الله ينجي المتقين برحمته ولا يهلكهم بذنوب المجرمين ما داموا منكرين للباطل.
عمارة وقت السحر بالعبادة: حث المسلمين على إحياء سنة الاستغفار بالأسحار والمناجاة؛ فهو وقت تنزل الرحمات والنجاة من النقم.
البراءة من أهل الفسوق: وجوب مفاصلة أهل المنكرات والفواحش وعدم الركون إليهم؛ فإن مجاورة الظالمين خطر يستوجب الفرار.