هذا هو الموضع الثالث للازمة التيسير والادكار في سورة القمر؛ يأتي مباشرة في أعقاب مشهد هلاك ثمود بالصيحة الواحدة وصيرورتهم كهشيم المحتظر، لتجديد الدعوة بالرجوع إلى القرآن الكريم والنجاة بهديه.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٢٥)مصدر غير محدد٢٢/٥٢٥ عن قتادة في قوله: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}: قال: كرر الله تبارك وتعالى هذا الترغيب والتحضيض للمرة الثالثة؛ تذكيراً للعباد بنعمته في تيسير كتابه للاتعاظ والعمل، وتحذيراً لهم من أن يصيروا كهشيم المحتظر بكفرهم؛ فهل من طالب موعظة ومدكر يقبل على القرآن فيجد الفلاح والنجاة؟!
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٥١)مصدر غير محدد٧/٤٥١: كرر تعالى هذه الآية بعد قصة ثمود كما كررها بعد قصة نوح وعاد؛ تنبيهاً على عظيم شأن القرآن، وأنه حجة الله البالغة وموعظته الميسرة الشافية، وترغيباً للأمة في حفظه وتدبره وتعلم أحكامه.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٩٩)مصدر غير محدد١٧/٩٩: تجديد الموعظة عقب كل قصة يقرر في القلوب أن القرآن هو العاصم من كل عذاب وهلاك؛ فمن استمسك به حفظه الله من الصواعق والصيحات والرياح العاتية في الدنيا ومن النار في الآخرة.
وفي التحرير والتنوير: تكرير الآية بلفظها ونظمها في فواصل متتابعة يرسخ في روع القارئ أن الأصل المستمر الثابت هو التيسير والرحمة، وأن العذاب لم يكن إلا استثناءً اقتضاه عناد المكذبين ومكابرتهم المستمرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَقَدْ}: الواو واو القسم، اللام واقعة في جواب القسم للتوكيد، قد حرف تحقيق.
{يَسَّرْنَا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا، و(نا) فاعل يعود على العظمة الإلهية، والتيسير التسهيل وإزالة المشقة والعسر.
{الْقُرْآنَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{لِلذِّكْرِ}: اللام للتعليل أو الغاية، الذكر اسم مجرور باللام، والجار والمجرور متعلق بالفعل يسرنا؛ والذكر استحضار العلم وتدبر المواعظ وحفظ الآيات.
{فَهَلْ}: الفاء استئنافية فصيحة، هل حرف استفهام يفيد التحضيض والحث والترغيب المتضمن لمعنى الطلب والأمر.
{مِن}: حرف جر زائد لتأكيد استغراق الجنس.
{مُّدَّكِرٍ}: مبتدأ مؤخر مجرور لفظاً بمن مرفوع محلاً، وخبره محذوف تقديره موجود، وهو اسم فاعل من ادّكر؛ أي متذكر معتبر مستحضر للموعظة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما ألطف هذا التتابع البلاغي بين آية الهشيم وآية التيسير!
في الآية السابقة انتهت ثمود إلى أقبح صورة للهوان والفناء: {فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ}.
ثم فُتح هذا الباب الرحماني الواسع: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}.
ليدل على أن النجاة من مصير الهشيم متيسرة سهلة مبذولة لكل من ألقى سمعه وتدبر آيات القرآن؛ فالقرآن يمنح الإنسان الخلود الحقيقي والشرف العالي والنجاة في الدارين.
تكرار اللازمة للمرة الثالثة يثبت في الوجدان الإيقاع النفسي الحاكم للسورة؛ إيقاع الرعب من العذاب مقروناً بالأمل والتيسير في القرآن.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الموازنة العقلية بين عسر التمرد ويسر الاتباع:
زعمت ثمود في الآية (٢٤) أن اتباع الرسول فيه ضلال وسعر ومشقة؛ فبينت السورة أن المشقة الحقيقية والضلال والدمار كان في التمرد والعصيان حتى بادوا بالصيحة؛ أما اتباع الوحي فهو اليسر المطلق والراحة التامة للروح والجسد {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ}.
فشريعة الإسلام ميسرة، وتلاوة القرآن ميسرة، والنجاة بطاعته ميسرة؛ فالعاقل يختار اليسر الذي يعقبه الخلود والكرامة، ويدع العسر الذي يعقبه عذاب سقر.
رد العجز على الصدر والتوازن الموسيقي والنفسي: تكرار هذا النظم القرآني الفريد يعيد التوازن النفسي للسامع بعد هول المشاهد، ويملأ جوانحه بمحبة كلام الله والاعتزاز به.
الحث الصادق بـ{فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}: استفهام يستجيش بواعث الخير الفطرية الكامنة في النفوس؛ أين أصحاب العقول؟ أين طلاب النجاة؟ هلموا إلى كتاب ربكم الميسر قبل فوات الأوان.
الإشارة التدبرية: القرآن نزل ليُذكر ويُعمل به، فمن اقتصر على مجرد التلاوة دون اتعاظ وإصلاح للعمل لم يحقق الغاية الكاملة من تيسيره؛ فالادكار جمع بين استحضار المعنى وانقياد الجوارح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحفيز الأمة على معايشة القرآن: تجديد العزيمة في استثمار الأوقات في حفظ كتاب الله وتدبره وتعليمه في البيوت والمساجد، مستشعرين الوعد الرباني بالتيسير والإعانة.
البعد عن تعقيد الخطاب الديني: توجيه الدعاة إلى نهج أسلوب التيسير والتبشير في الدعوة، وتبسيط مفاهيم الدين للناس، وتجنب التنفير والتعقيد.
شكر نعمة التيسير: لهج اللسان بحمد الله على نعمة إنزال القرآن بلسان عربي مبين، وسؤاله سبحانه أن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته.