تنتقل السورة الكريمة إلى المشهد التاريخي الثالث من مصارع الغابرين، وهو نبأ قبيلة ثمود العربية البائدة التي كذبت نبي الله صالحاً عليه السلام والإنذار الإلهي.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥١٨)مصدر غير محدد٢٢/٥١٨ عن قتادة ومجاهد في قوله: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ}: قال: كذبت ثمود بما أنذرهم به نبيهم صالح عليه السلام من بأس الله وعقابه إن أصروا على الشرك وعقروا الناقة، وجمع (النُّذُر) لأن تكذيب نبي واحد هو في الحقيقة تكذيب لجميع الرسل المنذرين؛ إذ دعوتهم واحدة في أصل التوحيد.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٩)مصدر غير محدد٧/٤٤٩: هذا إخبار عن أمة ثمود الذين سكنوا الحِجْر بين الحجاز والشام، وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين، فبعث الله فيهم صالحاً عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله وحده، فكذبوه وكذبوا بما جاءهم به من النذر، واستكبروا عن الانقياد له.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٩٦)مصدر غير محدد١٧/٩٦: النُّذُر: إما جمع نذير وهو الرسول، وإما جمع نذارة وهو الإنذار والتخويف؛ والمعنى: كذبت ثمود بالرسل أو بإنذار الله تعالى إياهم على لسان صالح عليه السلام.
وفي التحرير والتنوير: إسناد التكذيب إلى ثمود مقترناً بالباء لتأكيد إلصاق التكذيب بنفس الإنذار؛ أي جحدوا أصل وقوع العذاب وسخروا من التحذير.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{كَذَّبَتْ}: فعل ماض مبني على الفتح الظاهر، والتاء للتأنيث.
{ثَمُودُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو اسم قبيلة عربي ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، أو مصروف باعتبار الحي والجد، وقرئ بالوجهين، والجمهور على منعه من الصرف هنا.
{بِالنُّذُرِ}: الباء حرف جر لتعدية الفعل كذب ولتأكيد الإلصاق، النذر اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلق بالفعل كذبت، والنُّذُر بضمتين جمع نذير أو جمع نذارة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الانتقال من عذاب الريح الصرصر على عاد إلى عذاب الصيحة والرجفة على ثمود!
عاد أهلكت بريح عاتية استمرت سبع ليال وثمانية أيام.
وثمود أهلكت بصيحة واحدة خاطفة في صبيحة اليوم الرابع بعد عقر الناقة.
لبيان تنوع جنود الله وقدرته على الاستئصال بالمدد البطيء الحاسم أو بالضربة الخاطفة الواحدة؛ فكل أمة أخذت بما يناسب عتوها وغرورها.
الإيجاز بالبدء بالتكذيب بالنذر: يمهد لاستعراض حججهم الواهية وشبهاتهم الساقطة التي عللوا بها تكذيبهم في الآيات التالية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة تكذيب الرسل جمعاً:
لماذا قال {بِالنُّذُرِ} بصيغة الجمع مع أن رسولهم كان واحداً وهو صالح عليه السلام؟
الجواب الأصولي المحكم:
أن الرسل كلهم متفقون على أصل التوحيد والإنذار بالبعث والجزاء؛ فمن كذب رسولاً واحداً فقد كذب جنس الرسل والرسالة الإلهية برمتها، كما قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ}.
أن صالحاً عليه السلام أنذرهم مرة بعد مرة وتنوعت إنذاراته وأساليبه، فكأن كل موعظة نذير مستقل، فكذبوا بسائر النذر.
بطلان الاغترار بالعمران والحضارة: ثمود كانوا ينحتون الجبال بيوتاً فارهين، فظنوا أن صخور الجبال تعصمهم، فبين القرآن أن التكذيب بالنذر يبيد الحضارات مهما حصنت مدنها.
الإيجاز البليغ في التعبير عن أمة كاملة بحرف وجملة: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ}؛ للدلالة على أن تاريخهم كله اختزل في هذه الخطيئة الكبرى التي جرت عليهم الدمار.
تعريف {النُّذُرِ} بأل الجنسية أو العهدية: لاستغراق كل ما نزل عليهم من تحذير وبينات.
الإشارة التدبرية: التكذيب بالنذر مرض يصيب الأمم المترفة؛ فكلما غرفت الأمة في النعيم المادي واستغنت بقوتها، ثقلت عليها نذر الرسل وكذبت بالآخرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم قدر الإنذار النبوي: وجوب تصديق كل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من أنباء الغيب والحساب وعذاب القبر والنار؛ فالمؤمن وجل مشفق من نذر ربه.
الحذر من داء الأمم البائدة: تجنب الغرور بالمدنية والعمران مع التفريط في التقوى وطاعة الله؛ فالإيمان هو الحصن الحقيقي الوحيد.
تبليغ النذارة برحمة وإخلاص: اقتداء الدعاة بصالح عليه السلام في تكرار الإنذار ومحاورة القوم بحلم وتبيان.