تكتمل صورة الطوفان الكوني المعجز بتفجير باطن الأرض بينابيع مائية دافقة، لتلتقي مياه الأرض بمياه السماء في موعد قدري محكم أزلاً لا يتخلف.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٠٨)مصدر غير محدد٢٢/٥٠٨ عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما في قوله: {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ}: قال: نبعت الأرض كلها حتى التنور الذي يوقد فيه النار نبع منه الماء، وتفجرت البقاع والرمال والصخور عيوناً دافقة، فالتقى ماء السماء وماء الأرض؛ ماء السماء ينزل وماء الأرض يفور، {عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} قال: على قدر ما قدره الله من الهلاك والغرق لقوم نوح في اللوح المحفوظ، لم يزد ماء السماء على ماء الأرض، بل التقيا بمقدار معلوم مقدور لإهلاكهم.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٧)مصدر غير محدد٧/٤٤٧: أي نبعت جميع أرجاء الأرض عيوناً حتى التنانير، فالتقى ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قدره الله تعالى وقضاه في سابق علمه جزاء على كفرهم؛ فلم يكن مجرد حادث طبيعي بل أمراً مقدراً تقديراً دقيقاً محكماً.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٩٠)مصدر غير محدد١٧/٩٠: التمييز في قوله {عُيُونًا} من أبلغ مجازات القرآن وأفصحها؛ فكأن الأرض كلها تحولت إلى عيون تتفجر، ولم يبق فيها موضع تراب ولا حجر إلا وهو عين نابعة بالماء؛ والتقى الماءان بمقدار لا يخرم ذرة عن مراد الله.
وفي التحرير والتنوير: {عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} أي التقاءً مطابقاً لأمر مقدور؛ وهو إغراق المشركين ونجاة نوح ومن معه في السفينة؛ فالقدر هو الميقات والمقدار الإلهي الحاكم للكون.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَفَجَّرْنَا}: الواو عاطفة لمطلق الجمع، فجرنا فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا، و(نا) ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل يعود على العظمة الإلهية، والتفجير في اللغة شق الأرض وإخراج مائها بقوة وسعة.
{الْأَرْضَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
{عُيُونًا}: تمييز محول عن المفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والأصل: وفجرنا عيون الأرض، والعيون جمع عين وهي ينبوع الماء المتفجر من باطن الأرض.
{فَالْتَقَى}: الفاء عاطفة سببية تفيد سرعة التلاقي والترتيب، التقى فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر.
{الْمَاءُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والمقصود به الجنس؛ أي جنس ماء السماء وجنس ماء الأرض.
{عَلَىٰ}: حرف جر يفيد الملابسة والظرفية المجازية والاستعلاء التقديري؛ أي ملتبساً ومطابقاً لقدر الله.
{أَمْرٍ}: اسم مجرور بعلى وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والأمر هنا الشأن والقضاء المبرم.
{قَدْ}: حرف تحقيق.
{قُدِرَ}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح الظاهر، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الأمر، والجملة الفعلية في محل جر نعت لأمر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا التناظر الهندسي الكوني في النظم القرآني!
قابل انسكاب السماء من علو: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ}.
بتفجر الأرض من سفل: {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا}.
فالتقت القوتان الهائلتان في نقطة قدرية واحدة: {فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ}.
هذا الإحكام يصور عملية الإحاطة والاستئصال؛ فالمكذبون حوصروا بالماء من فوقهم ومن تحت أرجلهم، فلا منجى ولا ملجأ من الله إلا إليه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
الإعجاز البلاغي والنحوي في التمييز المحول:
لماذا قال: {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا}، ولم يقل: (وفجرنا عيون الأرض)؟
الجواب البلاغي الذي أجمع عليه أئمة البلاغة كعبد القاهر الجرجاني والزمخشري: لو قال (وفجرنا عيون الأرض) لكان المعنى أن التفجير وقع في العيون المعهودة فقط وبقيت سائر بقاع الأرض جافة؛ أما حين جعل الأرض مفعولاً ثم ميزها بـ{عُيُونًا}، فقد أفاد أن الأرض كلها بجبالها وسهولها وترابها وصخورها وتنانيرها صارت كأنها عين واحدة تتفجر مياهاً؛ وهذا أقصى ما تبلغه لغة العرب في تصوير الاستيعاب والعموم التام والفيضان القاهر.
قانون القدر المحكم: قوله {عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} ينسف العبثية والصدفة؛ فالطوفان لم يكن كارثة طبيعية عشوائية انفلتت زمامها، بل كان حدثاً مقدراً بموازين ربانية دقيقة في حجم المياه، وسرعة تدفقها، وارتفاعها، ووقت توقفها وركودها.
المجاز العقلي والتمييز الإعجازي: جعل الأرض كلها عيوناً من أعلى فنون المجاز والبلاغة التي تخلب ألباب البلغاء وتثبت أن هذا الكلام تنزيل من حكيم حميد.
تعريف {الْمَاءُ} بأل الجنسية: ليشمل ماء السماء المنهمر وماء الأرض المتفجر؛ كأنهما التقيا لقاء الخلان المأمورين لإنفاذ مهمة عسكرية ربانية محددة، فذاب الماءان في طوفان واحد لا عاصم منه.
الإشارة التدبرية: لا مفر من قضاء الله وقدره؛ فإذا أمر الله بهلاك ظالم تحولت عناصر الأرض وأسباب المعاش إلى شباك تصيده وجنود تهلكه؛ فلا ملجأ من الله إلا إليه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بنفاذ القدر الإلهي: ترسيخ الإيمان بالقدر خيره وشره؛ فكل حركة وسكون في هذا الوجود تجري على أمر قد قدره الله بحكمته وعدله في الأزل.
الاعتبار بهلاك الطغاة والمستكبرين: تذكير الأمم المعاصرة بأن القوة المادية والجبروت لا تعجز الله؛ فالأرض التي نقف عليها والسماء التي تظلنا جنود للحق متى أذن الله لها بالتحرك.
التواضع للحق: النجاة في الدنيا والآخرة مقرونة باتباع الرسل وركوب سفينة النجاة، والبعد عن مكابرة براهين الوحي الباهرة.