تنتقل السورة الكريمة إلى المشهد التاريخي الرابع من مصارع المكذبين، وهو نبأ قوم لوط الذين انتكست فطرتهم وارتكبوا الفاحشة الشنعاء، وكذبوا بإنذارات نبيهم لوط عليه السلام.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٢٥)مصدر غير محدد٢٢/٥٢٥ عن قتادة ومجاهد في قوله: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ}: قال: كذبت أهل سدوم وعمورة بما أنذرهم به لوط عليه السلام من عقاب الله وبأسه على كفرهم وإتيانهم الذكور من دون النساء؛ فكذبوا بنذره وتهاونوا بوعيده.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٥١)مصدر غير محدد٧/٤٥١: يخبر تعالى عن قوم لوط كيف كذبوا رسولهم وما جاءهم به من عند الله من الإنذار والتحذير، واتبعوا شهواتهم الشاذة وخالفوا الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، فحل بهم من العقوبة ما لم يحل بأمة من الأمم؛ حجارة من سجيل منضود وقلب لديارهم.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٠٠)مصدر غير محدد١٧/١٠٠: النُّذُر هنا جمع نذارة أو جمع نذير؛ وجمعها لأن لوطاً كرر إنذارهم مراراً، ولأن تكذيب لوط تكذيب لسائر المرسلين الذين نهوا عن الفواحش والشرك.
وفي التحرير والتنوير لابن عاشور: افتتاح القصة بهذه الجملة الوجيزة ينسجم مع الطابع الإيقاعي السريع لسورة القمر؛ حيث يركز على العلة المباشرة للهلاك؛ وهي التكذيب بالإنذار والاستكبار عن قبول الموعظة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{كَذَّبَتْ}: فعل ماض مبني على الفتح الظاهر، والتاء للتأنيث.
{قَوْمُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف، والقوم الجماعة من الرجال تجتمع على أمر جامع وتنتسب لجامعة واحدة، ويشمل نساءهم تبعاً.
{لُوطٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو علم أعجمي لكنه صُرف لخفة بنائه الثلاثي ساكن الوسط.
{بِالنُّذُرِ}: الباء لتعدية الفعل ولتأكيد الإلصاق، النذر اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة، والجار والمجرور متعلق بالفعل كذبت، والنُّذُر بضمتين جمع نذير أو جمع نذارة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الانتقال من عذاب الصيحة على ثمود إلى عذاب الحاصب والحجارة على قوم لوط!
ثمود أهلكت بصيحة من السماء هدمت قواهم.
وقوم لوط أهلكوا بحاصب من السماء وقلب لديارهم؛ لأن فاحشتهم كانت انتكاساً للفطرة وقلباً للنواميس، فناسب أن تقلب ديارهم وترمى بحجارة من السماء.
توحيد مطلع القصص الثلاث: {كَذَّبَتْ عَادٌ}، {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ}، {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ}؛ يرسخ وحدة المصير المشترك لكل مكذب بالنذر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
انتكاس الفطرة وأثره على العقل:
الشذوذ الأخلاقي والفاحشة لا تدمر الأجساد فحسب، بل تطمس العقول وتفسد الإدراك المنطقي؛ فقوم لوط بلغ بهم السفه أن يدافعوا عن فاحشتهم ويطالبوا بإخراج الطاهرين: {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}، فصار الطهر عندهم عيباً وجريمة توجب النفي! وهذا غاية الانتكاس العقلي.