تفصل الآية الكريمة طبيعة السلاح الكوني الفتاك الذي سلطه الله على قوم عاد؛ وهو ريح باردة شديدة الهبوب والصوت، استمر شؤمها وعذابها عليهم حتى أهلكتهم عن بكرة أبيهم.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥١٥)مصدر غير محدد٢٢/٥١٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا}: قال: صرصراً أي باردة شديدة البرد، تحرق ببردها كإحراق النار، وقيل: شديدة الصوت والهبوب لها صرصرة وجلجلة تفزع الأسماع، {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ}: قال قتادة: استمر عليهم شؤمه وعذابه حتى أهلكهم في الدنيا وأفضى بهم إلى عذاب الآخرة، فكان نحساً متصلاً لا انقطاع له، وكان ذلك يوم الأربعاء في آخر الشهر، واستمرت عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٨)مصدر غير محدد٧/٤٤٨: الريح الصرصر هي الريح الباردة العاتية الشديدة الصوت والسموم، أرسلها الله عليهم في يوم شؤم ونحس مستمر عليهم؛ أي استمر عليهم العذاب والدمار حتى أبادهم جميعاً، واتصل عذاب دنياهم بعذاب برزخهم وأخراهم.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٩٤)مصدر غير محدد١٧/٩٤: الصرصر: الشديدة الصوت مأخوذة من الصَّرَّة وهي الصوت الشديد، أو الشديدة البرد مأخوذة من الصِّرّ وهو البرد القاتل؛ والنحس ضد السعد، واستمراره عليهم معناه أنه دام واتصل ثمانية أيام حتى أهلكهم، ولم يكن يوم نحس لجميع الخلق بل كان نحساً وشؤماً على عاد وحدها بكفرهم.
وفي التحرير والتنوير: تنكير {رِيحًا} للتهويل؛ والصرصر صفة للمبالغة في شدة حركتها وصوتها وبرودتها؛ والنحس الشؤم الناشئ عن غضب الله وانتقامه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّا}: إن حرف توكيد ونصب، و(نا) المدغمة اسمها يعود على العظمة الإلهية.
{أَرْسَلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا، و(نا) فاعل، والجملة في محل رفع خبر إن.
{عَلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلق بالفعل أرسلنا.
{رِيحًا}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والريح الهواء المتحرك بقوة.
{صَرْصَرًا}: نعت لريح منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو مضعف رباعي من الصرّ (البرد) أو الصرّة (الصوت والجلبة).
{فِي}: حرف جر للظرفية الزمانية.
{يَوْمِ}: اسم مجرور بفي وعلامة جره الكسرة الظاهرة وهو مضاف، والجار والمجرور متعلق بالفعل أرسلنا.
{مُّسْتَمِرٍّ}: نعت لنحس مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وصيغته اسم فاعل من استمر يستمر استمراراً، إذا دام وتتابع ولم ينقطع حتى أتى على آخرهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا التصوير القرآني المزلزل!
جمعت الآية بين أوصاف الريح القاتلة: صوتها المرعب {صَرْصَرًا}، وأثرها الزماني والنفسي {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ}؛ لترسم صورة العذاب الذي أحاط بهم فلا يجدون منه مهرباً.
توافق لفظ {مُّسْتَمِرٍّ} هنا مع قوله في مطلع السورة عن المشركين: {وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ}؛ في جناس نظمي محكم؛ كأن المعنى: زعمتم أن معجزة انشقاق القمر سحر مستمر، فانتظروا عذاباً ونحساً مستمراً لا ينقطع كهذا الذي نزل بعاد!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفنيد خرافة الأيام المنحوسة لذاتها:
توهم بعض الجهلة من هذه الآية أن يوم الأربعاء أو بعض أيام السنة أيام نحس وشؤم يتطير بها الناس!
والتحقيق العقدي الصافي لأهل السنة والجماعة يدحض هذا الوهم:
الأيام والشهور كلها خلق الله تعالى، لا تملك نفعاً ولا ضراً بذاتها، والتطير بالأيام والشهور شرك منهي عنه شرعاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا طيرة ولا شؤم».
يوم النحس هنا كان نحساً وشؤماً على الكافرين المجرمين وحدهم بسبب كفرهم وذنوبهم ونزول العذاب بهم، بينما كان ذلك اليوم نفسه يوم نصر وسعد وبركة على نبي الله هود والذين آمنوا معه حيث نجاهم الله برحمته.
وصف النحس بالاستمرار {مُّسْتَمِرٍّ} معناه دوام العذاب عليهم واتصاله بهلاكهم، وليس صفة لازمة لليوم ذاته في كل أسبوع أو شهر.
البلاغة الصوتية في لفظ {صَرْصَرًا}: تكرار الصاد والراء في اللفظ يجسد صوت الريح العاتية حين تصطدم بالأجسام والخيام وتقتلع الأشجار، فيكاد القارئ يسمع عويل الريح من خلال حروف الآية.
التنكير في {رِيحًا} و{نَحْسٍ}: تنكير للتهويل والفظاعة؛ فهي ريح مجهولة القوة لا تقاس برياح الدنيا المعهودة، ونحس وبيل مطبق.
الإشارة التدبرية: شؤم المعصية يلازم صاحبها حتى يهلكه؛ فما أصاب قوماً نحس ولا بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة، فطاعة الله هي السعد الحقيقي، ومعصيته هي النحس المستمر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
البراءة من التطير والتشاؤم: غرس التوحيد الخالص في النفوس بنبذ الخرافات والتشاؤم بالأيام أو الشهور، وتعليق القلوب بالله وحده.
الاستعاذة من تقلبات الريح والعواصف: الاقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث كان إذا عصفت الريح تغيّر وجهه وأقبل وأدبر مخافة أن يكون فيها عذاب، ودعا: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به» (رواه مسلم).
شكر نعمة الهواء اللطيف: التفكر في نعمة الله في سكون الرياح ولطافتها وسوقها للسحاب والمراكب، واستشعار قدرة الله في تحويلها إلى عذاب صرصر ماحق.