هذا فصل القضاء الإلهي الحاسم؛ يتولى الله تعالى فيه الرد على بهتان ثمود والدفاع عن نبيه صالح عليه السلام، متوعداً إياهم بكشف الحقائق الفاضحة يوم نزول العذاب واستئصال شأفتهم.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٢١)مصدر غير محدد٢٢/٥٢١ عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ}: قال: هذا وعيد شديد وتهديد أكيد من الله لهم؛ أي سيعلمون عند نزول العذاب بهم في الدنيا بالصيحة، وفي الآخرة بالنار وسقر، من هو الكذاب الأشر أهو صالح عليه السلام أم هم؟! وقد بان للخلائق قاطبة أنهم هم الكذابون الأشرون الهالكون، وأن صالحاً هو الصادق البار الناجي.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٥٠)مصدر غير محدد٧/٤٥٠: هذا تهديد بالغ شديد ووعيد أكيد؛ أي سيرون عياناً لمن تكون العاقبة والنصرة، ومن هو الكذاب الأشر في نفس الأمر؛ وقد علموا ذلك لما عاينوا العذاب وأخذتهم الرجفة والصيحة فأصبحوا في دارهم جاثمين، وأوردهم الله النار في الآخرة.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٩٧)مصدر غير محدد١٧/٩٧: {غَدًا} يراد به زمن نزول العذاب؛ لأن كل ما هو آت قريب، فالعرب تطلق الغد على المستقبل القريب الموعود كقولهم: (إن مع اليوم غداً).
وفي التحرير والتنوير: السين في {سَيَعْلَمُونَ} للتوكيد وتقريب الزمان؛ والرد جاء من الله مباشرة دون أمر الرسول بالرد (لم يقل: قل سيعلمون)، إشعاراً بأن الله تولى بذاته العلية الانتقام لنبيه ورد شرفه وصدقه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{سَيَعْلَمُونَ}: السين حرف استقبال وتوكيد يدل على قرب الوقوع، يعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
{غَدًا}: ظرف زمان منصوب على الظرفية وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، متعلق بالفعل يعلمون؛ والمراد به الزمان الآتي يوم نزول العذاب أو يوم القيامة.
{مَّنِ}: اسم استفهام مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، في محل رفع مبتدأ.
هذا التطابق اللفظي يحمل سخرية وتهديداً مرعباً؛ فكأن المحكمة قد عُقدت والحكم سينفذ عما قريب ليعلم الملأ من هو المستحق لهذا الوصف الشنيع.
التعبير بـ{غَدًا}: يقلل من شأن أعمارهم المتبقية؛ فالمهلة التي يرجونها ليست إلا ساعات معدودة تفصلهم عن صاعقة العذاب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قاعدة تبيين الحقائق بالوقائع لا بالدعاوى:
في معارك الأفكار والدعوات قد يستطيع الباطل أن يزور الحقائق ويطلق الشائعات ويتهم الصادقين بالكذب والإرهاب والإفساد؛ فبينت الآية أن الميدان الحقيقي لكشف الحق هو (يوم الحصاد والمآل)؛ فحين تنزل الصواعق أو تقوم القيامة تنكشف الأقنعة وتظهر المعادن، فيعلم الجميع من كان على الحق ومن كان كذاباً أشراً.
قرب الزمان الآتي: كل ما هو آتٍ قريب، وما مضى من الدنيا كأنه لم يكن؛ فاستعمال (غداً) برهان على أن حساب الظالمين وشيك ولن يفلتوا من قبضة العدالة الإلهية.
فن المشاكلة البلاغية: إعادة نفس الأوصاف {الْكَذَّابُ الْأَشِرُ} ليرتد السهم في نحورهم؛ فالوصف الذي أطلقوه سفهاً على نبي الله عاد عليهم وصار لقباً خالداً لهم في سجلات الهلاك إلى يوم القيامة.
حذف أداة القول وتولي الرد مباشرة: إعلان لعظمة الانتصار الرباني؛ فالله هو الذي يتولى الدفاع عن أوليائه {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا}.
الإشارة التدبرية: لا تستعجل الرد على كل سفيه يطعن في دينك أو نزاهتك؛ فوكل أمرك إلى الله واستمر في طريقك؛ فإن (غداً) موعد الفضح الأكبر لكل مفترٍ.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثقة بميعاد الله ونصرته: غرس الطمأنينة واليقين في قلوب المؤمنين بأن الباطل مهما انتفش وكذب فإن له غداً تزهق فيه أنفاسه وتنكشف فضائحه.
الحذر من الوقوع في تهمة الكذب والبطر: تذكير المسلم بمراقبة لسانه وأخلاقه، وأن البطر والكذب يقودان صاحبهما إلى الخزي في الدنيا وسقر في الآخرة.
الصبر على جور الخصوم: توجيه الدعاة إلى تفويض الحكم لله، والاستعلاء الإيماني على سفاهات الطاعنين.