تصور هذه الآية الكريمة مشهداً حسياً بالغ القهر والإهانة والفظاعة لمصير المجرمين يوم القيامة، حين ينقلب كبرياؤهم ذلاً وسحقاً تحت وطأة النيران.
روى الإمام أحمد ومسلم في صحيحه (كتاب القدر، حديث رقم ٢٦٥٦)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٥٦ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الْقَدَرِ، فَنَزَلَتْ: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}.
وروى الطبري (ج ٢٢، ص ٥٣٨)مصدر غير محدد٢٢/٥٣٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ}: السحب: الجر والجريرة في النار، تسحبهم الزبانية مقيدين بالسلاسل والأغلال مكبوبين على وجوههم، ويقال لهم تقريعاً وتوبيخاً: {ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ}؛ أي ذوقوا ألم النار وألم إصابتها ولفحها لكم، وسقر: اسم من أسماء جهنم سميت به لأنها تسقر اللحم، أي تذيبه وتلهبه وتلتهمه حتى تصل إلى العظام.
وذكر ابن كثير (ج ٧، ص ٤٥٧)مصدر غير محدد٧/٤٥٧: يقول تعالى مخبراً عما يجري به القضاء على أولئك المجرمين الضالين المسعورين يوم القيامة، أنهم يجرون في النار سحباً على وجوههم، كما كانوا في الدنيا يمشون على أقدامهم في كبرياء وخيلاء، فيعاملون بنقيض قصدهم، ويقال لهم: {ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} إهانة وتنديداً.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٠٦)مصدر غير محدد١٧/١٠٦: سقر: علم لجهنم لا ينصرف للعلمية والتأنيث، ومنه قوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ}. والمس هنا: الإصابة والإحراق؛ وقيل: ألم المباشرة؛ فإذا كان المس الذي هو أقل الاتصال يوجب هذا العذاب الفظيع، فكيف بالانغماس فيها؟
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَوْمَ}: ظرف زمان منصوب متعلق بمحذوف تقديره (اذكر يوم)، أو متعلق بمحذوف خبر أو حال، أو متعلق بالفعل المقدر (يقال لهم يوم).
{يُسْحَبُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع نائب فاعل، والسحب هو الجر العنيف على الأرض.
{فِي النَّارِ}: في حرف جر، النار اسم مجرور بفي وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وشبه الجملة متعلق بالفعل يسحبون.
{عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ}: على حرف جر للاستعلاء، وجوه اسم مجرور بعلى وعلامة جره الكسرة الظاهرة وهو مضاف، والهاء مضاف إليه والميم للجمع، والجار والمجرور متعلق بحال محذوفة من نائب الفاعل (أي يسحبون كائنين على وجوههم).
{ذُوقُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والأمر هنا للتقريع والتوبيخ والإهانة، والجملة في محل نصب مقول لقول محذوف تقديره (يقال لهم: ذوقوا).
{مَسَّ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف، والمس هو المباشرة واللمس وإصابة الحر الشديد.
{سَقَرَ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا التقابل والعدل الإلهي في الجزاء من جنس العمل!
المجرمون رفعوا رؤوسهم ووجوههم في الدنيا استكباراً وعتواً عن السجود لرب العالمين.
فجاء الجزاء في الآخرة أن تهان هذه الوجوه المعظمة عندهم فتكون هي الموطوءة والمسحوبة على لهيب الجمر!
استمرار وتناسق لازمة الإذاقة والتقريع:
قال في قصة عاد وثمود وقوم لوط: {فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ}.
ويقول للمجرمين هنا عند السحب في النار: {ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ}.
فالإذاقة تجمع بين الإحساس الجسدي القاهر والإذلال المعنوي الصاعق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المشي والسحب على الوجوه يوم القيامة:
أخرج البخاري (٤٧٦٠) ومسلم (٢٨٠٦) عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله، كيف يُحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال ﷺ: «أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟»، قال قتادة: بلى وعزة ربنا!
فالقدرة الإلهية المطلقة لا تقاس بالعادات البشرية الدنيوية؛ فالقادر على إمشاء الأبدان على الأقدام قادر على سحبها وحشرها على وجوهها في دار الآخرة.
الرد على القدرية والمشركين المكذبين بالقدر: نزول هذه الآية فيمن يخاصم في القدر يبين أن المجادلة في أفعال الله والاعتراض على حكمته ضرب من الإجرام المفضي إلى عذاب سقر والعياذ بالله.
التصوير الحركي المزلزل للمشهد: {يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ}: مشهد مرئي يكاد القارئ يسمع فيه حفيف الجر وصراخ المسحوبين تحت لفح جهنم؛ مما يملأ القلب بالخشية والرجفة.
التعبير بـ{مَسَّ سَقَرَ}: إشارة إلى أن مجرد اللمس الخارجي لسقر يذيب النفوس ويقطع الأكباد، فما الظن بالخلود في دركاتها وأغوارها؟
التجريد البلاغي: إطلاق اسم (سقر) دون تعريف بأل لأنه علم جنس على النار ذات التهام مفرط يذيب الشحوم والعظام؛ فكان اللفظ بذاته كفيلاً ببث الذعر.
الإشارة التدبرية: الوجه أشرف أعضاء الإنسان ومجمع حواسه وكرامته؛ فإهانته بالسحب على الجمر أشد ألوان التحقير؛ ليعلم المتكبر أن كبرياءه الدنيوي سينقلب إلى عين المهانة إن لم يسجد لله طائعاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم السجود والخضوع لله في الدنيا: المبادرة بتعفير الوجه والجبين في التراب لله ساجداً متبتلاً في الدنيا، نجاةً من أن يسحب الوجه في نار جهنم يوم القيامة.
اجتناب الخصومة في القدر والتسليم التام لله: الحذر البالغ من التشكيك في أفعال الله أو الجدال في قضائه وقدره؛ فإن ذلك من خصال المجرمين الذين توعدوا بسقر.
تذكر هول جهنم والتعوذ الدائم منها: لزوم هدي النبي ﷺ في كثرة الاستعاذة من عذاب القبر وعذاب النار؛ والعمل الصالح الذي يقي الوجوه من حر سقر.