تكشف الآية الكريمة الشبهة الكبرى التي حالت بين ثمود وبين الإيمان؛ وهي استكبارهم عن اتباع رجل من جنس البشر ومماثل لهم في النسب، واعتقادهم أن اتباعه خسران وجنون.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥١٩)مصدر غير محدد٢٢/٥١٩ عن قتادة ومجاهد في قوله: {فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ}: قال: أنكروا أن يتبعوا رجلاً واحداً من جنسهم ومن قبيلتهم؛ وقالوا: لو كان نبياً لكان ملكاً، أو لكان رجلاً عظيماً من كبرائنا يتبعه قومه، فكيف نتبعه ونحن أمة كثيرة وهو واحد؟! {إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ}: قال: في ضلال عن الصواب وخسار، وسُعُر: عناء وجنون واشتعال مشقة، وقيل: عذاب ونار مستعرة.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٩)مصدر غير محدد٧/٤٤٩: أي استكبروا عن اتباع رسول من البشر، واستنكفوا أن يقودهم رجل واحد منهم ليس بملك ولا صاحب جيش، وظنوا بجهلهم أن انقيادهم له ضلال وخسران وجنون؛ فرد الله كيدهم وبين أن الضلال والسعر هو ما هم فيه من الكفر والتكذيب.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٩٦)مصدر غير محدد١٧/٩٦: السُّعُر: جمع سعير، وهي النار المشتعلة؛ أي إن اتبعناه دخلنا النار؛ وقيل: السعر الجنون؛ يقال: ناقة مسعورة إذا كانت خفيفة تضطرب كالمجنونة، والمعنى: إنا إذاً لفي ضلال عن الرشد وجنون في الرأي.
وفي التحرير والتنوير: الاستفهام إنكاري استكباري؛ جمعوا فيه ثلاث علل باطلة لرفض الاتباع: كونه بشراً {أَبَشَرًا}، وكونه منهم مساوياً لهم {مِّنَّا}، وكونه فرداً لا عصبة له تحميه {وَاحِدًا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَقَالُوا}: الفاء عاطفة سببية، قالوا فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
{أَبَشَرًا}: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتهكمي، بشراً مفعول به مقدم لفعل محذوف يفسره ما بعده (على الاشتغال)؛ أي أنتبع بشراً، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والبشر اسم جنس لبني آدم سموا بذلك لظهور بشرتهم وبياضها دون صوف أو وبر.
{نَّتَّبِعُهُ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، وجملة الفعل تفسيرية لا محل لها.
{إِنَّا}: إن حرف توكيد ونصب، و(نا) اسمها.
{إِذًا}: حرف جواب وجزاء لا عمل له ملغى.
{لَّفِي}: اللام المزحلقة للتوكيد، في حرف جر للظرفية المجازية الاستغراقية.
{ضَلَالٍ}: اسم مجرور بفي وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو العدول عن صراط الحق والهدى.
{وَسُعُرٍ}: الواو عاطفة، سُعُر معطوف على ضلال مجرور بالكسرة الظاهرة، وهو جمع سعير أو مصدر بمعنى الجنون واشتعال المشقة والعذاب. والجملة الاسمية تعليل لإنكارهم واستكبارهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أدق تصوير المنطق الشيطاني الجاهلي!
ركز النظم على الكلمات الثلاث: {بَشَرًا}، {مِّنَّا}، {وَاحِدًا}؛ لأنها تمثل جوهر العقلية الطبقية التي ترفض الحق إذا جاء من مساوٍ أو من فرد لا يملك سطوة مادية أو نفوذاً كهنوتياً.
وتطابق هذه الشبهة مع مقالة كفار قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم: {مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ}؛ مما يبرز لكفار مكة أنهم يكررون بحذافيره نفس المنطق التافه الذي أهلك ثمود.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفنيد شبهة بشرية الرسل:
الحكمة العقلية والتربوية تقتضي بالضرورة أن يكون الرسول من جنس المرسل إليهم؛ لأن الملك لا يمكن للبشر رؤيته على صورته الحقيقية إلا بفزع وهلاك، ولو تمثل الملك رجلاً لقالوا: لست إلا بشراً ولعاد الإشكال؛ فضلاً عن أن الرسول البشري هو الذي يستطيع أن يكون قدوة حية في الصبر والزهد ومجاهدة الشهوات وتطبيق التكاليف العملية.
قلب المفاهيم في معنى (الضلال والسعر):
ثمود زعمت أن اتباع الرسول ضلال وجنون؛ فقلب الله عليهم هذا الحكم في ختام السورة في الآية (٤٧) فقال: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ}؛ ليثبت بالبرهان أن الضلال والسعر الحقيقي هو التمرد على الرسل وعبادة الحجارة والأصنام.
أسلوب الاشتغال والتقديم في {أَبَشَرًا}: تقديم المفعول به لإبراز محط الإنكار والتعجب؛ فأنكروا جنس البشرية أولاً قبل أن ينكروا الاتباع.
تنكير {ضَلَالٍ وَسُعُرٍ}: للتهويل والفظاعة؛ أي ضلال هائل وعذاب مسعر لا حد له.
الإشارة التدبرية: الكبر يحرم صاحبه من رؤية الفضائل؛ فثمود لم تنظر إلى صدق صالح وأمانته وحكمته ومعجزته الباهرة، بل حصرت نظرها في كونه بشراً واحداً منهم، فحرمت الهداية بأضيق المقاييس المادية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الانقياد للحق المجرد عن الأشخاص: تربية المسلم على اتباع الدليل والحق أينما وجد، وألا يمنعه صغر سن القائل أو ضعفه المادي من قبول نوره.
الحذر من القياس الفاسد: تجنب محاكمة أوامر الشريعة بالأهواء والأعراف الجاهلية؛ فالعقل السليم يتبع الوحي المعصوم.
عزة الداعية الفرد: ألا يستوحش الداعية من قلة أتباعه أو انفراده في الميدان؛ فصالح كان فرداً واحداً ولكنه كان أمة يحمل نور الله في مواجهة جاهلية مطبقة.