تبين هذه الآية الكريمة نفاذ المشيئة الإلهية، وكمال الاقتدار الرباني، وسرعة نفاذ القضاء؛ حيث لا يحتاج خلق الأكوان وإفناؤها وإعادتها وبعثها إلى معالجة ولا تكرار ولا زمان، بل بكلمة واحدة وأمر نافذ لا يتخلف.
روى الطبري (ج ٢٢، ص ٥٤١)مصدر غير محدد٢٢/٥٤١ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}: قال: يقول جل ثناؤه: وما أمرنا إذا أردنا شيئاً أن نكونه أو نهلكه إلا أن نقول له: (كن)، فيكون واحدة، لا نكررها ولا نثنيها، بل يقع الأمر في غاية السرعة كلمح بالبصر.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٥٩)مصدر غير محدد٧/٤٥٩: يخبر تعالى عن نفوذ مشيئته في خلقه فقال: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ} أي إنما نأمر بالشيء مرة واحدة لا نحتاج إلى تأكيد ثان، فيكون ذلك الشيء الذي نأمر به موجوداً حاصلاً، كلمح بالبصر؛ أي كطرف العين لا يتأخر طرفة عين؛ ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}، وقوله: {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ}.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٠٨)مصدر غير محدد١٧/١٠٨: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ}: أي إلا كلمة واحدة وهي قوله: (كُنْ)، فتحدث المخلوقات بأسرها؛ و{كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} اللمح هو النظر السريع واختلاس النظر بالعين؛ والمعنى: في السرعة وسهولة النفاذ.
وفي التحرير والتنوير: ضرب المثل بلمح البصر تقريب للأفهام؛ لأن أسرع ما يعرفه البشر من الحركات الحسية التي تدركها الأبصار هو طرفة العين، والأمر الإلهي في حقيقته أسرع من ذلك، بل لا تحده أزمنة ولا يقاس بمدد المخلوقين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَا}: الواو استئنافية، ما نافية مهملة تفيد النفي المحض.
{أَمْرُنَا}: أمر مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف، و(نا) ضمير متصل مبني على السكون في محل جر مضاف إليه، والمراد بالأمر هنا الشأن أو الأمر التكويني الإيجادي.
{إِلَّا}: أداة حصر وإلغاء تفيد توكيد الحصر بين المبتدأ والخبر.
{وَاحِدَةٌ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والتقدير: إلا كلمة واحدة (وهي كن)، أو إلا فعلة واحدة أو قضية واحدة لا تتعدد.
{كَلَمْحٍ}: الكاف حرف جر وتشبيه، لمح اسم مجرور بالكاف وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وشبه الجملة في محل رفع نعت لواحدة أو حال منها؛ واللمح هو رجع البصر وطرفة الجفن الخاطفة.
{بِالْبَصَرِ}: الباء حرف جر، البصر اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وشبه الجملة متعلق بالمصدر لمح.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبدع الانتقال والاتساق بين الآيتين!
قررت الآية (٤٩) أن كل شيء مخلوق بقدر: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}.
ثم أوضحت الآية (٥٠) كيفية هذا الخلق وكمال سرعته ويسره على الله: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}.
فالتقدير محكم ومفصل، والتنفيذ والتكوين سريع وفوري لا يكلف الله لغوباً ولا مشقة ولا علاجاً ولا أدوات.
الرد على استبعاد المشركين لقيام الساعة وبعث الأجساد: لما قالوا: من يحيي العظام وهي رميم؟ واقتربت الساعة وطلبوا آية؛ جاء الرد بأن بعث الأولين والآخرين وجمعهم في صعيد واحد ليس إلا كصيحة واحدة أو كلمح بالبصر، كما قال سبحانه: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تنزيه الإرادة الإلهية عن قيود الزمان والمكان:
عقل الإنسان محكوم بأبعاد الزمان والمادة والحركة؛ فالإنسان إذا أراد بناء بيت احتاج إلى سنوات وعمال ومواد، فيقيس قدرة الخالق على عجزه البشري!
فجاءت الآية لتكسر هذا القياس الفاسد؛ فالله خالق الزمان والمكان والمادة، وأمره نافذ لا يحتاج إلى تعاقب الثواني والدقائق؛ بل هو التجلي التام لمشيئته النافذة: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}.
دفع شبهة تعارض خلق السماوات في ستة أيام مع قوله (كلمح بالبصر):
خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام لحكم تشريعية وتربوية؛ ليعلم عباده التؤدة والأناة وترتيب الأسباب على المسببات؛ وإلا فهو سبحانه قادر على خلقها بكلمة واحدة في أقل من لمح البصر؛ فكل ذلك بمشيئته وحكمته التامة.
أسلوب القصر والحصر بـ(ما وإلا): {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ}: لحصر الأمر الإلهي في الوحدة والسرعة؛ ونفي أي مشقة أو تكرار في التكوين.
التشبيه التمثيلي في {كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}: تشبيه لمعقول بحسي قريب؛ لتقريب سرعة الإيجاد الإلهي للأذهان؛ فاللمح بالبصر لا يشعر الإنسان معه بزمان فاصل بين إرسال النظر وإدراكه للمرئي.
الإشارة التدبرية: إذا كان أمر الله كلمح بالبصر، فإن تغير الأحوال، وزوال الدول والجبابرة، وشفاء المريض، وتفريج الكرب، ونصر المظلوم، كل ذلك لا يحتاج إلا إلى أمر إلهي واحد؛ فلا ييأس مؤمن وربه مقتدر أمره نافذ كلمح بالبصر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم قدرة الله في القلوب: استحضار عظمة الخالق الذي بكلمة واحدة منه تقوم القيامة، وتبعث الخلائق، وتدك الجبال، وتنشق الكواكب.
الإقبال على الدعاء بيقين جازم: التوجه إلى الله بقلب حاضر؛ فاستجابة الدعاء وتفريج الهموم أهون على الله من لمح البصر إذا قضى ذلك وقدره.
الاستعداد للرحيل الفجائي: تذكر أن الأجل وقبض الأرواح كلمح بالبصر؛ فيكون المسلم دائم الاستعداد للقاء الله، متأهباً لنزول قضائه في أي لحظة.