تقرر هذه الآية الكريمة دقة الإحصاء الإلهي، وكمال حفظ الأعمال؛ فلا يظن ظان أن ما فعله الأولون والآخرون من كفر أو إيمان أو معصية أو طاعة قد ذهب مع الريح أو طواه النسيان، بل هو مسجل مثبت وموثق بأعدل توثيق.
روى الطبري (ج ٢٢، ص ٥٤٣)مصدر غير محدد٢٢/٥٤٣ عن مجاهد وقتادة في قوله: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ}: قال: كل عمل عمله أولئك المكذبون الهالكون، وأشياعهم، وسائر الخلائق، مكتوب ومحفوظ في كتب الحفظة، وفي اللوح المحفوظ؛ مثبت لا يضيع منه شيء ولا ينسى.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٥٩)مصدر غير محدد٧/٤٥٩: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} أي مكتوب عليهم في الكتب التي بأيدي الملائكة الحفظة الكرام الكاتبين، وقيل: في اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقادير كل شيء قبل أن يخلق الخلق، والقولان متلازمان؛ فالله كتبه قبل كونه، وكتبته الملائكة عند فعله.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٠٩)مصدر غير محدد١٧/١٠٩: الزبر: جمع زَبور، وهو الكتاب؛ من زَبَرت الكتاب إذا كتبته ونقشته؛ والمعنى: كل ما عملوه من خير وشر، صغير وكبير، مكتوب في صحائف الأعمال التي تنشر يوم القيامة، وتوضع في موازين العدل، كما قال تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا}.
وفي التحرير والتنوير: الضمير في {فَعَلُوهُ} عائد على الأشياع المذكورين في الآية السابقة، أو عائد على عموم العباد؛ لإفادة أن الإهلاك الدنيوي لم يكن نهاية الحساب، بل وراءه حساب أخروي مسطور بالذرة والقطمير.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَكُلُّ}: الواو استئنافية، كل مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف.
{شَيْءٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، ولفظ شيء يعم الأقوال والأفعال والنيات والخطرات.
{فَعَلُوهُ}: فعل فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر نعت لشيء.
{فِي الزُّبُرِ}: في حرف جر، الزبر اسم مجرور بفي وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو جمع زَبور؛ وشبه الجملة متعلق بمحذوف خبر المبتدأ (كل شيء) تقديره: كائن ومثبت ومكتوب في الزبر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا الاتساق النظمي الباهر!
لما بين في الآية السابقة إهلاك الأشياع: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ}.
قد يتوهم واهم أن أعمالهم انتهت بإهلاكهم وطمرت تحت التراب، وأن من نجا من عقاب الدنيا قد أفلت.
فالهلاك الدنيوي ليس إلا حكماً ابتدائياً عاجلاً، أما ملفات القضايا كلها، بكل جزئياتها، فمحفوظة في سجلات السماء، لتفتح يوم الحساب الأكبر.
استخدام صيغة العموم المطلق {وَكُلُّ شَيْءٍ}: لإحاطة العلم والإحصاء الإلهي بسائر التصرفات الإنسانية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد أوهام الإفلات والنسيان:
الإنسان ينسى ما فعله بالأمس؛ فكيف بما فعله طيلة عمره؟
ولكن علام الغيوب لا يضل ولا ينسى: {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ}؛ وتوثيق الأعمال في الكتب حجة قطعية تلزم الخصم يوم القيامة حين يشهد عليه سمعه وبصره وجلده، ويقرأ كتابه بنفسه: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}.
عدالة التوثيق الإلهي: الملائكة الموكلون بكتابة الأعمال معصومون لا يجورون ولا يزيدون ولا ينقصون؛ واللوح المحفوظ محكم؛ فتتحقق قمة العدالة والنزاهة المطلقة.
تعريف {الزُّبُرِ} بأل الدالة على الكمال: للإشعار بأنها كتب جليلة القدر، معظمة الشأن، لا يتطرق إليها تحريف ولا تزوير.
تقديم المبتدأ المفيد للعموم {وَكُلُّ شَيْءٍ}: لتسليط الضوء على الإحاطة التامة؛ فلا شاذ عن الإحصاء.
الإشارة التدبرية: استشعار العبد أن كل لفظة يتفوه بها، وكل نظرة يرمقها، وكل حركة وسكون يأتيه، يخطه قلم ملك لا يفتر؛ كفيل بأن يورثه الحياء والوجل والمراقبة التامة لله في سره وعلنه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تربية الضمير الحي على المراقبة الذاتية: أن يستحضر المؤمن قوله تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، فيضبط جوارحه ولسانه وقلمه وتصرفاته.
المبادرة بمحو السيئات بالحسنات والتوبة: معرفة أن التوبة الصادقة تمحو ما في الصحف من خطايا؛ فالله يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب؛ فيستكثر من الاستغفار.
إتقان العمل الصالح واحتساب الأجر: اليقين بأن حبات الخير وبذور المعروف لا تضيع؛ فكل حسنة مسطورة ومضاعفة عند الله تعالى.