يتكرر هذا الاستفهام التقريري والتهويلي المهيب للمرة الثالثة في السورة؛ ليطرق الأسماع بعد مشهد الجريمة النكراء، ممهداً لوصف الصاعقة التي حلت بثمود.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٢٤)مصدر غير محدد٢٢/٥٢٤ عن قتادة في قوله: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}: قال: كيف رأيتم عذابي لأهل ثمود حين عقروا الناقة وكذبوا صالحاً؟ ألم يكن عذاباً أباد خضراءهم ودمر ديارهم؟! وكيف رأيتم نذري التي أنذرهم بها نبيهم قبل العقر؟!
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٥١)مصدر غير محدد٧/٤٥١: أي كيف كان نكالي بتلك الأمة الباغية التي بارزت ربها بالمعصية وتجرأت على عقر آيته؟ لقد كان عذاباً شنيعاً، ونذراً صادقة لا مرد لها.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٩٩)مصدر غير محدد١٧/٩٩: تكرار هذا الاستفهام عقب كل جريمة لتنبيه الغافلين، واستحضار هول المصير، وتقرير العدالة الإلهية في معاقبة المكذبين.
وفي التحرير والتنوير: تصدير هذا الاستفهام قبل تفصيل كيفية العذاب في الآية التالية لحبس أنفاس السامع وتوجيه قلبه لتوقع الكارثة التي ستحل بهم بعد عقر الناقة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَكَيْفَ}: الفاء فصيحة، كيف اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر كان مقدم، والاستفهام للتهويل والتقرير.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح الظاهر.
{عَذَابِي}: اسم كان مؤخر مرفوع بالضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
{وَنُذُرِ}: الواو عاطفة، نُذُر معطوف مرفوع بالضمة المقدرة على ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف وفواصل الآي، والكسرة دليل عليها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد وقع هذا الترتيب!
في الآية السابقة انتهت الجريمة المروعة بكلمة واحدة قاطعة: {فَعَقَرَ}.
وفور سقوط الناقة صريعة، ارتفع السؤال الرباني المزلزل: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}؛ ليعلم القارئ أن عقر الناقة لم يكن نهاية القصة، بل كان شرارة النهاية لوجود ثمود بأسرها على وجه البسيطة.
هذا التلاحم يربط الذنب بالعقوبة برباط سببي فوري لا انفصام له.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سرعة القصاص من الظالمين:
أمهل الله ثمود ثلاثة أيام بعد العقر كما قال تعالى في سورة هود: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ}؛ ومع ذلك جاء التعبير هنا بفاء التعقيب للدلالة على أن هذه الأيام الثلاثة كانت بمثابة ساعات احتضار للمحكوم عليه بالإعدام، فكان العذاب نازلاً واقعاً لا راد له.
التناسب التام بين التحدي والعقوبة: تحدوا صالحاً وقالوا: {ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}، فجاء الاستفهام ليقول لهم ولكل مكذب: هذا هو العذاب الذي استعجلتموه فكيف رأيتموه؟!