تعلل الآية الكريمة سبب تلك النجاة المباركة لآل لوط؛ بأنها كانت نعمة وتفضلاً من الله تعالى، وقاعدة سنية مطردة في جزاء الشاكرين الموحدين.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٢٧)مصدر غير محدد٢٢/٥٢٧ عن قتادة في قوله: {نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا}: قال: منة ورحمة وتفضلاً من الله على لوط وأهله بإنجائهم، {كَذَٰلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ}: قال: بمثل ذلك الجزاء الحسن نثيب وننجي من شكر نعمة الله بالإيمان به وإخلاص العبادة له وطاعة رسله ومجانبة الفواحش.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٥٢)مصدر غير محدد٧/٤٥٢: أي أنعمنا عليهم بتلك النجاة من العذاب الذي عم قومهم إحساناً منا وتفضلاً؛ وهكذا نجزي من آمن بالله وشكر نعمه بلسانه وجوارحه وأطاع أمره وتجنب معصيته.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٠٠)مصدر غير محدد١٧/١٠٠: {نِّعْمَةً} مصدر في موضع المفعول المطلق أو مفعول لأجله؛ أي أنعمنا عليهم إنعاماً، أو لأجل النعمة والإحسان نجّيناهم؛ والشكر هنا هو الإيمان والطاعة ومخالفة أهل الفسوق.
وفي التحرير والتنوير: تذييل الآية بقاعدة {كَذَٰلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ} تعميم بعد تخصيص؛ ليعلم كل مؤمن إلى قيام الساعة أن الشكر سبب النجاة والعصمة من العذاب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{نِّعْمَةً}: مفعول لأجله منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، أو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: أنعمنا عليهم نعمة، والنعمة الإحسان والإنعام والفضل.
{مِّنْ}: حرف جر لابتداء الغاية التكريمية والفيض الإلهي.
{عِندِنَا}: ظرف مكان مجازي منصوب متعلق بنعت لنعمة وهو مضاف، و(نا) ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه يعود على العظمة الإلهية.
{كَذَٰلِكَ}: الكاف حرف جر وتشبيه، ذا اسم إشارة مبني في محل جر بالكاف، واللام للبعد والكاف للخطاب، والجار والمجرور متعلق بمحذوف مفعول مطلق مقدم تقديره: جزاءً مثل ذلك الجزاء نجزي.
{نَجْزِي}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن.
{مَن}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به.
{شَكَرَ}: فعل ماض مبني على الفتح الظاهر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب؛ والشكر اعتراف القلب بالمنعم وانقياد الجوارح بالطاعة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما ألطف هذا التعقيب الرباني!
لما ذكر نجاة آل لوط في الآية السابقة: {نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ}، بين في هذه الآية أن هذه النجاة لم تكن صدفة ولا محاباة مجردة لقرابة، بل كانت:
وهذا يربط النجاة بقانون الشكر والعبودية، ويفتح باب الأمل لكل عبد صالح أن ينال من الله مثل تلك النعمة إن سلك طريق الشكر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الربط المحكم بين الشكر والنجاة:
الشكر ليس مجرد كلمات تردد باللسان (الحمد لله والشكر لله)، بل الشكر في المفهوم القرآني: عقيدة تثبت في القلب، وطهارة تحصن الجوارح، ومفاصلة للفواحش؛ فلوط عليه السلام شكر الله بحفظ فطرته، والدعوة إلى التوحيد، وتحمل أذى قومه، ومجاهدة الشذوذ؛ فكانت نجاة أهله ثمرة لهذا الشكر العملي الصادق.
دفع توهم استحقاق النجاة بالذات: قوله {نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا} يبطل زعم من يظن أن العبد يوجب على الله شيئاً بعمله المجرد؛ فالعمل سبب جعلي، والفضل والنعمة والنجاة كلها من الله المنّان.
إضافة العندية {مِّنْ عِندِنَا}: إضافة تشريف وتفخيم للنعمة؛ فالنعمة إذا نسبت إلى الجناب الإلهي الأعلى دلت على أنها نعمة عظيمة الشأن فائقة القدر لا يحيط بوصفها حاصر.
إطلاق لفظ الشكر {مَن شَكَرَ}: بالفعل الماضي لتحقيق الوصف وثبوته في نفس العبد حتى صار الشكر له طبعاً ودأباً.
الإشارة التدبرية: بالشكر تدوم النعم وتندفع النقم؛ فمن أراد أن يصرف الله عنه صواعق المحن وعواصف الفتن فليكن من الشاكرين بطاعة الله والاعتراف بفضله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
دوام الشكر في السراء والضراء: تربية المسلم على شكر الله في كل حال؛ فشكر النعم يثبتها، وشكر البلاء يحوله إلى منحة وكرامة.
نسبة الفضل دائماً لله: ألا يغتر العبد بصلاحه أو ثباته على الاستقامة، بل يرى النجاة دائماً {نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا}.
تحفيز الهمم على الاستقامة: اليقين بأن حفظ الله للمؤمن من الفواحش المنتشرة جزاء معجل من الله لصدق شكره وطهارة سريرته.