تبين الآية الكريمة النظام الشرعي والاقتصادي الدقيق الذي وضعه الله تعالى لاختبار ثمود في شأن الناقة؛ وهو قسمة ماء الوادي والبئر مناصفة يوماً بيوم بين الناقة وبين أهل القرية جميعاً.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٢٢)مصدر غير محدد٢٢/٥٢٢ عن قتادة ومجاهد وابن عباس في قوله تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ}: قال: أخبرهم يا صالح أن ماء البئر مقسوم بينهم وبين الناقة؛ يوم للناقة تشرب فيه الماء كله ولا يقربون البئر، ويوم لهم ولأنعامهم يشربون فيه الماء ولا تقرب الناقة البئر، فكانوا إذا كان يوم الناقة شربت ماءهم كله وأعطتهم من اللبن ما يكفي جميع أمتهم وصغارهم وكبارهم، وإذا كان يومهم شربوا هم، {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ}: قال: يحضره أهله في نوبتهم؛ يحضر أهل ثمود في يومهم ويغيبون في يوم الناقة، وتحضر الناقة في يومها وتغيب في يومهم.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٥٠)مصدر غير محدد٧/٤٥٠: أي أعلمهم يا صالح أن الماء مقسوم بين القبيلة وبين الناقة؛ يوم لها ويوم لهم، كقوله تعالى في سورة الشعراء: {قَالَ هَٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ}؛ {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} أي يحضره من كان له نصيبه، ولا يجوز لأحد أن يعتدي على نوبة الآخر.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٩٨)مصدر غير محدد١٧/٩٨: الشِّرْب: بكسر الشين هو الحصة والنصيب من الماء؛ والمحتضَر: المحضور الذي يحضره مستحقه؛ أي يحضر القوم شربهم في يومهم والناقة شربها في يومها؛ وهذا غاية العدالة والانضباط، ولكن النفوس الباغية لا تصبر على النظام.
وفي التحرير والتنوير: هذا التكليف كان امتحاناً لانقيادهم وطاعتهم لأمر الله في أخص حاجاتهم المعيشية وهو الماء، فضاقت صدورهم بعد حين من الامتثال وتآمروا على عقر الناقة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَنَبِّئْهُمْ}: الواو عاطفة على ارتقبهم، نبّئ فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول، والميم للجمع، والإنباء الإخبار بالنبأ الجليل المهم.
{أَنَّ}: حرف توكيد ونصب ومصدر من أخوات إن.
{الْمَاءَ}: اسم أن منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{قِسْمَةٌ}: خبر أن مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها سد مسد المفعولين الثاني والثالث لنبئهم؛ والقسمة في الأصل مصدر قَسَمَ، والمراد به هنا اسم المفعول؛ أي مقسوم ومفرز بينهم.
{بَيْنَهُمْ}: ظرف مكان منصوب وهو مضاف، والهاء مضاف إليه، والظرف متعلق بقسمة.
{كُلُّ}: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف.
{شِرْبٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والشِّرْب بكسر الشين الحظ والنصيب من الماء ووقت وروده.
{مُّحْتَضَرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وصيغته اسم مفعول من احْتُضِرَ؛ أي يحضره صاحبه في نوبته ولا يعتدي عليه غيره. والجملة مستأنفة مقررة لقاعدة القسمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع دقة التنظيم التشريعي في هذه الآية!
أثبتت الآية أن الشريعة نظام وعدل حتى في تفاصيل الموارد الطبيعية والمياه: {قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ}.
ثم حددت ضابط الالتزام: {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ}؛ فكل فريق يحضر في وقته المخصص له بأمان وسلام.
هذا التنظيم الإلهي العادل يبرز جريمة ثمود اللاحقة؛ فهم لم يعقروا الناقة لنقص في الماء؛ فالناقة كانت تعطيهم لبناً يغمر قريتهم، ولكنهم عقروها عتواً وتمرداً على النظام الإلهي وكراهية للحق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
البعد الاقتصادي والاجتماعي للمعجزة:
وجود الناقة كان نعمة كبرى عليهم لا نقمة؛ فمقابل شربها الماء يوماً كانت تفيض عليهم بأطنان من اللبن الصافي اللذيذ تكفي ألوف البشر؛ فكانت صفقة رابحة بكل المقاييس الاقتصادية.
ولكن الشح والتمرد وطاعة المفسدين أعمى بصائرهم؛ فزعموا أنهم تضرروا من قسمة الماء، وهذا يثبت أن المجرم يبحث عن الذرائع الواهية لارتكاب المعصية حتى لو كانت المعصية سبباً في دماره وخسارته لنعمه.
حرمة الاعتداء على الحقوق المشتركة: الآية قاعدة في احترام المواعيد والأنصبة وقسمة الموارد الحيوية بالعدل، وتحريم احتكارها أو البغي فيها.