تقيم الآية الحجة التامة على مشركي مكة ببيان أن القرآن الكريم لم يترك لهم عذراً، بل ساق إليهم من أنباء الأمم الماضية وأخبار الغيب والآخرة ما فيه غاية الكفاية لردع كل ذي عقل وزجره عن الكفر والغي.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٠٠)مصدر غير محدد٢٢/٥٠٠ عن قتادة في قوله: {وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ}: قال: ولقد جاءهم في هذا القرآن من أنباء الأمم الخالية، وأخبار عذاب الله لمن كذب الرسل، وأخبار الآخرة وأهوالها، ما فيه زاجر ومزدجر عن معاصي الله وعن الكفر به لِمَن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٥)مصدر غير محدد٧/٤٤٥: يقول تعالى: ولقد جاء هؤلاء المكذبين من أخبار الأمم المكذبة وما حل بهم من نقمات الله وبأسه في الدنيا، وما أعد لهم في الآخرة من الخزي والنكال، ما فيه واعظ وزاجر يردعهم عن الشرك والتمادي في التكذيب.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٨٥)مصدر غير محدد١٧/٨٥: المزدجر: مصدر ميمي أو اسم مكان بمعنى الزجر والردع والنهي البليغ؛ والأنباء جمع نبأ وهو الخبر العظيم الشأن ذو الأهمية الكبرى؛ والقرآن حوى أعظم الأنباء النافعة الزاجرة عن الردى.
وفي التحرير والتنوير: تصدير الجملة بلام القسم و(قد) {وَلَقَدْ} لتحقيق وتوكيد وصول الحجة وبلوغ النذارة أقصى مداها، فلا يبقى للمكذبين أي عذر بجهل أو غفلة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَقَدْ}: الواو واو القسم لقسم مقدر، اللام واقعة في جواب القسم تفيد التوكيد، قد حرف تحقيق.
{جَاءَهُم}: جاء فعل ماض مبني على الفتح الظاهر، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به مقدم، والميم للجمع.
{مِّنَ}: حرف جر للتبعيض أو بيان الجنس.
{الْأَنبَاءِ}: اسم مجرور بمن وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلق بحال محذوفة من الموصول المؤخر، والأنباء جمع نبأ وهو الخبر الصادق الجليل ذو الخطر والبال.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل مؤخر للفعل جاء.
{مُزْدَجَرٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وصيغته مصدر ميمي من ازْدَجَرَ يَزْدَجِرُ ازْدِجَاراً ومُزْدَجَراً؛ وأصله مزتجر (من زجر) فأبدلت تاء الافتعال دالاً بعد الزاي لتجانس الصفير والجهر، والزجر في اللغة النهي الشديد المقرون بصوت وتخويف، والجملة الاسمية {فِيهِ مُزْدَجَرٌ} صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع إرداف قوله: {وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} بقوله: {وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ}! فالآية تبين أن تكذيبهم لم يكن عن نقص في البيان، ولا عن قلة في النصح، بل جاءهم في كتاب الله أرقى وأبلغ الأنباء التي تهز النفوس وتزجرها زجراً قاطعاً، ولكن المريض بالهوى لا تنفعه الدواء الشافي.
التعبير بالأنباء دون الأخبار: لأن القرآن الكريم لا يروي حكايات مسلية عابرة، بل ينقل أنباءً إلهية عظمى وموازين سننية حاكمة لحركة التاريخ ومصائر الأمم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كفاية الحجة القرآنية في هداية العقول:
سؤال: إذا كان القرآن فيه المزدجر البالغ، فلماذا لم يزدجروا؟
الجواب العقلي: المقتضي للزجر والهداية تام في ذات النص القرآني {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ}، ولكن التزكية والتأثر يتطلبان محلاً قابلاً ونفساً غير ملوثة بالهوى والكبر؛ فالشمس تشرق بنورها التام ولكن الأعمى لا يبصرها لآفة في عينيه لا لنقص في ضوء الشمس؛ والمشركون حجبهم طغيانهم وهواهم عن الانتفاع بالزواجر.
حكمة سوق القصص والأنباء: بينت الآية أن القصص القرآني منهج تربوي وقائي وعلاجي؛ يري الإنسان مصارع الغابرين ليعتبر بغيره قبل أن يصير عبرة لغيره.
الإبدال الصوتي المعجز في {مُزْدَجَرٌ}: إبدال التاء دالاً بعد الزاي المنقوطة يضفي ثقلاً صوتياً وقوة في النطق تتناغم تناغماً عجيباً مع معنى الردع والزجر العنيف للنفوس الجامحة.
التنكير في {مُزْدَجَرٌ}: تنكير للتعظيم والتهويل؛ أي زجر عظيم بالغ الشدة والقوة يكفي لردع أعتى النفوس وأقساها.
الإشارة التدبرية: من لم يزجره القرآن ومواعظه ومصارع الأمم، لم تزجره جبال الأرض؛ فكتاب الله هو الشافي الكافي للمعتبرين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توظيف القصص القرآني في التربية والدعوة: تعليم المربين والدعاة الاستفادة القصوى من قصص الأمم المذكورة في القرآن كأداة قوية في تزكية النفوس وردعها عن المعاصي والشهوات.
الخوف من قسوة القلب: محاسبة المؤمن لنفسه عند سماع آيات الوعيد والأنباء؛ هل يرتدع قلبه ويزدجر؟ فإن لم يجد في نفسه زاجراً فليبكِ على قلبه فإنه عليل.
اليقين بصدق أنباء القرآن: تلقي أخبار القرآن الكريم باليقين التام والتسليم المطلق، والاعتبار بسنن الله الماضية في الأمم والشعوب.