يعود السياق القرآني ليقرع قلوب المشركين بهذا الاستفهام التذكيري المتكرر، رابطاً بين مصائر الغابرين ومسؤولية الحاضرين عن مصيرهم.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٤٢)مصدر غير محدد٢٢/٥٤٢ عن قتادة ومجاهد في قوله: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}: قال: أشياعكم: نظراءكم وأمثالكم في الكفر والتكذيب بالرسل من الأمم الماضية الخالية؛ كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم فرعون؛ {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أي فهل من معتبر يتعظ بمصارعهم وينتهي عما كانوا عليه من الشرك والتكذيب لئلا يحل به ما حل بهم؟
وذكر ابن كثير (ج ٧، ص ٤٥٩)مصدر غير محدد٧/٤٥٩: يقول تعالى محذراً لكفار قريش وأضرابهم: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ} أي أشباهكم من الأمم الماضية التي كذبت الرسل، كما تقدم بيانه في هذه السورة؛ {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أي فهل من متعظ بما أحل الله بأولئك من الخزي والنكال في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة؟
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٠٩)مصدر غير محدد١٧/١٠٩: الأشياع: جمع شيعة؛ وهم الأتباع والنظراء في المعتقد والمذهب؛ يقال: هؤلاء شيعة فلان إذا كانوا على رأيه ومنهجه؛ والمعنى: أهلكنا نظراءكم من كفار القرون الخالية؛ فهل من مذكر يعتبر بما جرى عليهم فينيب إلى ربه؟
وأوضح البغوي (ج ٧، ص ٤٤٦)مصدر غير محدد٧/٤٤٦: خاطب كفار مكة بأن من أهلكهم الله من الأمم الماضية هم أشياعهم في التكذيب؛ فما أهلك أولئك إلا لكفرهم، وأنتم واقعون في ذات الكفر، فالعاقل من اتعظ بغيره.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَقَدْ}: الواو واو القسم، واللام واقعة في جواب قسم مقدر، وقد حرف تحقيق وتوكيد.
{أَهْلَكْنَا}: أهلك فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع، و(نا) ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
{أَشْيَاعَكُمْ}: أشياع مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف، والكاف ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه والميم للجمع؛ والأشياع جمع شيعة وهم الأشباه والأمثال المتفقون في المذهب والهوى.
{فَهَلْ}: الفاء رابطة لجواب الشرط أو عاطفة، هل حرف استفهام يراد به التحضيض والحث البليغ على الإنابة.
{مِن}: حرف جر زائد لفظاً للتوكيد واستغراق الجنس.
{مُّدَّكِرٍ}: مبتدأ مؤخر مجرور لفظاً بمن الزائدة مرفوع محلاً، والخبر محذوف تقديره (موجود أو معتبر)، وأصله (مُذْتَكِر) قلبت التاء دالاً وأدغمت الذال فيها للتخفيف؛ وهو المعتبر المتذكر المتفكر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع هذه الخاتمة التذكيرية في إيقاع السورة!
تردد في هذه السورة الكريمة قوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أربع مرات عقب قصص نوح وعاد وثمود وقوم لوط.
وهنا في ختام السورة يأتي التذكير للمرة الخامسة: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}!
فيتحد التذكير بنعمة التيسير القرآني مع التذكير بنقمة الهلاك الدنيوي؛ ليكتمل الوازعان: وازع الرغبة في النجاة عبر القرآن، ووازع الرهبة من الهلاك عبر مصارع الأشياع!
إطلاق وصف {أَشْيَاعَكُمْ}: لقطع صلة الرحم الجاهلية وتأكيد الرابطة الحقيقية؛ فرابطة الكفر جمعت مشركي مكة بنمرود وفرعون وقدار بن سالف، فصاروا جميعاً شيعة واحدة في الضلال واستحقاق البوار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قانون التماثل التاريخي والسنن الكونية:
سنن الله لا تتبدل ولا تحابي أحداً: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا}.
فما دام كفار مكة سلكوا مسلك عاد وثمود، فإن مصيرهم الحتمي هو الهلاك إن لم يؤمنوا؛ وهذا برهان عقلي قطعي ملزم لكل مكذب.
دلالة تكرار {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}: ليس التكرار هنا ترادفاً عبثياً، بل هو قرع متتابع للقلوب الغافلة؛ فكلما مر العبد بآية أو عبرة وُجه إليه هذا السؤال المنبه: هل تذكرت؟ هل انتبهت؟ هل عقلت؟
اختيار لفظ {أَشْيَاعَكُمْ}: استعارة لطيفة ونبذ لاذع؛ لأن الشيعة هم الأعوان والأنصار؛ فكأن هؤلاء المشركين بمكة يسيرون على آثار أولئك الغابرين ويشايعونهم في كفرهم فاستحقوا مصيرهم.
الاستفهام التحضيضي في {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}: نداء ملؤه الإشفاق والإنذار؛ كأن الحق ينادي على الغافلين أن هلموا إلى النجاة قبل فوات الأوان.
الإشارة التدبرية: السعيد من وُعظ بغيره، والشقي من وُعظ به غيره؛ ومن لم تكسر عظته مصارع الجبابرة الخالين فلن تنفع معه مواعظ الدنيا.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قراءة التاريخ قراءة سننية واعية: حث المسلمين على دراسة سنن قيام الأمم وسقوطها؛ لمعرفة أسباب التمكين وعوامل الانهيار.
التحذير من مشايعة أهل الباطل: البراءة التامة من مناهج الكافرين وأخلاقهم؛ لئلا يقع المسلم في التشبه بهم فيحشر معهم.
دوام الاستذكار واليقظة الإيمانية: محاسبة النفس ومراجعة الأعمال بانتظام؛ ليكون المسلم من أهل الادكار الذين يستجيبون لنداء الله تعالى.