يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن هؤلاء المعاندين بعدما قامت عليهم الحجة وبلغتهم الحكمة، وينقله وينقل الأسماع إلى مشهد يوم القيامة المزلزل حين يدعو إسرافيل الخلائق إلى أمر فظيع تنكره النفوس لهوله وبأسه.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٠١)مصدر غير محدد٢٢/٥٠١ عن قتادة ومجاهد في قوله: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ}: قال: أعرض عنهم يا محمد ودعهم، فقد بلغت ما عليك وقامت الحجة عليهم؛ ثم استأنف الوعيد فقال: {يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ} قال: الداع هو إسرافيل عليه السلام يدعو الناس إلى موقف الحساب من صخرة بيت المقدس، {إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ}: إلى أمر فظيع شنيع منكر تنكره النفوس لهوله وشدته، وهو هول المحشر والحساب ومصائر العذاب.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٦)مصدر غير محدد٧/٤٤٦: يقول تعالى لرسوله: أعرض عن هؤلاء المعاندين الذين إذا رأوا آية أعرضوا وقالوا سحر مستمر، فما عليك إلا البلاغ، وانتظر بهم ذلك اليوم الرهيب؛ {يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ} وهو الملك الموكل بالنفخ في الصور، {إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ} أي إلى أمر شنيع مفزع منكر لم يعهدوا مثله في الدنيا قط.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٨٦)مصدر غير محدد١٧/٨٦: الوقف على {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} وقف تام عند جمهور أهل التفسير والنحو، وقوله {يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ} منصوب بفعل محذوف تقديره: اذكر يوم، أو متعلق بما بعده وهو قوله {يَخْرُجُونَ}؛ والنُّكُر: المنكر الفظيع المروع الذي تنفر منه الطباع.
وقرأ الجمهور: {نُّكُرٍ} بضم النون والكاف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بتخفيف الكاف {نُكْرٍ} بالسكون، وهما لغتان فصيحتان.
وحُذفت الياء من {الدَّاعِ} في الرسم العثماني تخفيفاً ومراعاة للوصل والوقف {يَدْعُ الدَّاعِ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَتَوَلَّ}: الفاء فصيحة أو عاطفة لترتيب الإعراض على امتناع الاستجابة للنذر، تولّ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة (الألف)، والفتحة دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، والتولي الانصراف والإعراض بالوجه والجسد.
{عَنْهُمْ}: جار ومجرور متعلق بالفعل تول.
{يَوْمَ}: ظرف زمان منصوب بفعل محذوف تقديره: اذكر، أو متعلق بالفعل المؤخر {يَخْرُجُونَ} في الآية التالية، وهو مضاف.
{يَدْعُ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الواو المحذوفة رسماً للتخفيف، والدعاء النداء والاستدعاء للحضور.
{الدَّاعِ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة في الرسم العثماني تخفيفاً، وهو الملك المنادي إسرافيل عليه السلام.
{نُّكُرٍ}: نعت لشيء مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والنُّكُر بالضم صفة مشبهة تدل على الفظاعة والشدة وخروج الشيء عن المألوف والمألوف عليه في العقول والطباع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا الانتقال النظمي الصاعق!
أمر النبي بالانصراف عنهم: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ}؛ إيذاناً بانتهاء مهلة الجدال والبيان.
ثم مباشرة فتح الستار عن مشهد القيامة المرعب: {يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ}؛ ليصور مآل هؤلاء المعرضين حين يقفون عراة أمام نداء الحساب المفزع.
هذا الأسلوب يحمل ترهيباً نفسياً بالغا؛ كأن الله يقول: دعهم في غيهم الآن، فإن أمامهم موعداً لن يستطيعوا فيه إعراضاً ولا تولياً، بل سينقادون صاغرين لصوت الداعي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مسألة الإعراض النبوي: هل هو ترك للجهاد والإنكار؟
التحقيق المنهجي: الأمر بالتولي هنا ليس تراجعاً عن الدعوة ولا استسلاماً للباطل، بل هو حفظ لطاقة النبي صلى الله عليه وسلم النفسية والبدنية من أن تستهلك في ملاحقة لجاج المعاندين الذين طبع الله على قلوبهم، وتحويل الاهتمام إلى إنذارهم بيوم القيامة الأدهى والأمر.
وصف اليوم بـ{شَيْءٍ نُّكُرٍ}: تنكير الشيء ووصفه بالنكر يدل على أن أهوال المحشر فوق ما تطيقه التصورات البشرية؛ فمهما تخيل الإنسان من مصائب الدنيا فإن أمر القيامة أفظع وأشد نكارة وفظاعة على الكافرين.
الإبهام والتهويل في قوله {إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ}: تنكير (شيء) وتنكير (نُكر) يمثل قمة البلاغة في التهويل والتخويف؛ فالشيء المبهم المنكر أشد وقعاً على النفس من الأمر المحدد؛ لأن الخيال يذهب فيه كل مذهب من الرعب.
الحذف الصوتي للياء في {الدَّاعِ}: يعكس سرعة النداء وخفته ونفاذه في أقطار الأرض والسماء؛ فلا تأخر ولا مهلة بين النداء والبعث.
الإشارة التدبرية: صوت الداعي في المحشر سينفذ في مسام كل ميت في لحده؛ فالمؤمن ينتظر نداء السلام والبشارة، والكافر يواجه الأمر النكر المخزي؛ فليستعد العبد لذلك النداء بإجابة داعي الله في الدنيا {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فقه التجاوز في الدعوة: ألا يرهق الداعية نفسه بالجدال العقيم مع المعاندين المتكبرين، بل يتولى عنهم ويوكل أمرهم إلى الله، ويركز على من يرجى فلاحه.
استحضار صوت نفخة البعث: تذكر نداء الملك في القبر والبعث، وأن كل متكبر وجبار سيخرج ذليلاً مطيعاً لا يملك أدنى تخلف.
الاستعداد للأهوال بالطاعات: التحصن بالأعمال الصالحة والإيمان الصادق لتكون وقاية للمؤمن وأمناً له من ذلك الشيء النكر، كما قال تعالى: {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ}.