هذه الآية الكريمة هي المطلع الأول لللازمة القرآنية الكبرى في سورة القمر، وهي من أرجى آيات كتاب الله وأعظمها بشارة للأمة؛ تعلن بوضوح وجلاء تيسير الله تعالى للقرآن الكريم لفظاً وحفظاً وتلاوة وتدبراً لكل من قصد ذكره والاتعاظ به.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥١٣)مصدر غير محدد٢٢/٥١٣ عن مجاهد وقتادة ومطر الوراق وسعيد بن جبير في قوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}: قال: سهّلنا القرآن ويسرناه؛ يسّر الله قراءته وتلاوته وحفظه على ألسن العباد حتى يحفظه الصبي والأعجمي والشيخ الكبير ظاهراً عن ظهر قلب، وهو الكتاب الوحيد في الأرض الذي يُحفظ صدراً، ولولا ما يسره الله من ذلك لما أطاق أحد من البشر أن يتكلم بكلام الله لجلاله وعظمته، {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}: فهل من طالب علم وخير ومعتبر يُعان عليه؟!
وروى الطبري عن مطر الوراق قال: «هل من طالب علم فيعان عليه؟!».
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٨)مصدر غير محدد٧/٤٤٨: أي سهلنا لفظه ويسرنا معناه لمن أراده، ليتذكر الناس به؛ كما قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}، وقال تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا}؛ ولهذا قال: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أي فهل من متذكر بهذا القرآن الذي يسره الله حفظاً وفهماً؟!
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٩٣)مصدر غير محدد١٧/٩٣: يسرناه للذكر؛ أي سهلناه للحفظ وأعنّا عليه من أراد حفظه وتدبره، فليس كتاب من كتب الله المنزلة يُقرأ كله ظاهراً عن ظهر قلب إلا القرآن الكريم؛ فالتوراة والإنجيل والزبور لم تكن تُقرأ إلا نظراً في المصاحف، أما القرآن فيحفظه الصغار في الكتاتيب ويتلونه في صلواتهم، وهذا من أعظم آيات إعجازه.
وفي التحرير والتنوير: تيسيره للذكر يشمل تيسير ألفاظه العذبة في مخارج الحروف، وتيسير معانيه الفطرية الصافية البعيدة عن التعقيد الفلسفي والألغاز، وتيسير أحكامه الموافقة لمصالح العباد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَقَدْ}: الواو واو القسم، اللام واقعة في جواب القسم للتوكيد، قد حرف تحقيق.
{يَسَّرْنَا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و(نا) فاعل يعود على العظمة الإلهية، والتيسير في اللغة التسهيل والتهيئة وجعل الشيء يسيراً سمحاً لا عسر فيه ولا مشقة.
{الْقُرْآنَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو مصدر قرأ بمعنى المقروء، وسُمي قرآناً لجمعه السور والآيات وثمرات الكتب المنزلة السابقة.
{لِلذِّكْرِ}: اللام حرف جر للتعليل أو الغاية، الذكر اسم مجرور باللام وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلق بالفعل يسرنا؛ والذكر يشمل الحفظ في الصدور، والتلاوة باللسان، والاتعاظ بالقلب، والعمل بالجوارح.
{فَهَلْ}: الفاء استئنافية فصيحة، هل حرف استفهام للتحضيض والحث والترغيب المتضمن لمعنى الطلب والأمر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبدع موقع هذه الآية في هذا الموضع!
لما ذكر الله هول الطوفان، وإهلاك قوم نوح، وبقاء السفينة آية: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}، وخافت النفوس من وطأة العذاب، جاء هذا النداء الإلهي الرؤوف: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}.
وكأن المعنى: يا عبادنا، لا نريد إهلاككم ولا عذابكم، بل يسرنا لكم هذا الكتاب العظيم بلسان عربي مبين، وسهلنا لكم سبل النجاة وحفظ المواعظ، فما عليكم إلا أن تقبلوا عليه تلاوة وحفظاً وتدبراً لتنالوا النجاة والكرامة؛ فهل من مقبل يجد الإعانة؟!
تكرار هذه الآية أربع مرات في السورة: يمثل لازمة موسيقية وتربوية عليا؛ تطرق القلوب في أعقاب كل مشهد استئصال، لتفتح باب الأمل والرجوع إلى نور الوحي الميسر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز الواقعي المشهود في تيسير القرآن:
من أعظم المعجزات الحسية العقلية المشهودة في العالم اليوم: حفظ القرآن الكريم كاملاً في صدور ملايين البشر من مختلف الأجناس والأعمار واللغات!
تجد أطفالاً في سن السابعة لا يحسنون التكلم بالعربية، ومع ذلك يستظهرون القرآن كاملاً من الفاتحة إلى الناس بمخارج حروفه وأحكام تجويده دون خطأ في حركة واحدة!
ولا يوجد كتاب آخر على وجه الأرض (لا التوراة ولا الإنجيل ولا الفيدا ولا أمهات كتب الفلسفة والأدب) يستطيع بشر أن يحفظه كاملاً في صدره عن ظهر قلب بهذا الذيوع والاستمرار؛ وهذا برهان تجريبي قطعي على صدق قوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ}.
التيسير لا ينافي عمق المعاني: تيسير القرآن لا يعني أنه كتاب سطحي، بل هو يسر في مدخله، بحر لا ساحل له في دقائقه وأحكامه وبلاغته؛ يأخذ منه العامي ما يصلح به إيمانه وصلاته، ويغوص فيه العالم المجتهد فيستنبط منه كنوز التشريع وأسرار البيان.
توكيد الجملة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر، واللام، و(قد) {وَلَقَدْ}؛ لإزالة أي وهم أو تردد قد يوحي بصعوبة فهم القرآن أو مشقة حفظه.
تعدية التيسير باللام {لِلذِّكْرِ}: تدل على أن القرآن ميسر لغاية الذكر التامة المستوعبة: تذكره باللسان (حفظاً وتلاوة)، وتذكره بالعقل (فهماً وتدبراً)، وتذكره بالقلب (خشوعاً وإخباتاً)، وتذكره في واقع الحياة (حكماً وعملاً).
الإشارة التدبرية: قال ابن عيينة: ما من أحد يطلب حفظ القرآن وتدبره مخلصاً إلا أعانه الله ويسره عليه؛ لأنه وعد إلهي مؤكد بالقسم، والله لا يخلف الميعاد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الإقبال على كتاب الله حفظاً وتدبراً: نداء ملح لكل مسلم ومسلمة ألا يحرم نفسه من بركة القرآن؛ فالباب مفتوح والتيسير موعود من رب العزة، وما على العبد إلا أن يبدأ بصدق.
تيسير تعليم القرآن للناشئة: توجيه المعلمين والمربين إلى استخدام الطرق المشجعة والأساليب الميسرة في تحفيظ القرآن وتعليم معانيه للأجيال، تأسياً بالتيسير الإلهي.
الهمة العالية في مدارسة الوحي: استشعار العبد لكرامة هذا الكتاب ومكانته، والاستمساك به في كل مراحل الحياة تلاوة وتدبراً وعملاً.