ترسم الآية الكريمة المشهد النهائي المروع لمصارع رجال عاد العمالقة؛ حيث كانت الريح تقتلعهم من أماكنهم وتطير بهم في الهواء ثم تنكسهم على رؤوسهم فتدق أعناقهم، فيخرون موتى كجذوع النخل المنقلعة من أصولها.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥١٦)مصدر غير محدد٢٢/٥١٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ}: قال: كانت الريح الصرصر تدخل في شِعابهم ومغاراتهم وبيوتهم، فتنزع الرجل منهم وتقتلعه من الأرض اقتلاعاً وترفعه في عنان السماء، ثم تدكسه على رأسه فيقع على أم رأسه فيندق عنقه وتنفطر جثته، وتطير برأسه فيبقى جثة بلا رأس كأنه جذع نخلة انقلع من أصله وسقطت أعاليه.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٩)مصدر غير محدد٧/٤٤٩: أي تقتلع الناس من أماكنهم؛ وكان أحدهم يجيء فيستتر في الحفرة أو المغارة فتنتزعه الريح وتلقيه صريعاً، كأنهم في طول قاماتهم وضخامة أجسادهم وسقوطهم بلا رؤوس أصول نخل قد انقعرت من مغارسها وسقطت على الأرض خاوية لا حراك بها.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٩٥)مصدر غير محدد١٧/٩٥: أعجاز النخل: أصولها وسيقانها الخاوية بعد ذهاب فروعها ورؤوسها؛ والمنقعر: المنقلع من أصله؛ يقال: قَعَرْتُ الشجرة إذا قلعتها من قعرها فانقعرت؛ وشبههم بأعجاز النخل لأن عاداً كانوا طوال القامات ضخام الأجسام، فلما قطعت الريح رؤوسهم صاروا أجساداً ملقاة كالنخل بلا رؤوس.
وفي التحرير والتنوير: التعبير بـ{تَنزِعُ} يدل على شدة التشبث؛ فقد كانوا يتشبثون بالأرض والصخور والاحتماء بالحفر، ولكن قوة الريح كانت تنزعهم نزعاً قهرياً، وتجعلهم كالنخل المنقعر الساقط.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{تَنزِعُ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود على الريح الصرصر، والنزع في اللغة جذب الشيء وقلعه من مقره بقوة وعنف وشدة.
{النَّاسَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والمقصود به رجال عاد وقومها المكذبين.
{كَأَنَّهُمْ}: كأن حرف تشبيه ونصب من أخوات إن، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب اسمها، والميم للجمع.
{أَعْجَازُ}: خبر كأن مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف، وأعجاز جمع عَجُز وهو مؤخر الشيء وأصله وقاعدته، وأعجاز النخل جذوعها الخاوية بعد قطع رؤوسها.
{نَخْلٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والنخل اسم جنس جمعي يذكر ويؤنث.
{مُّنقَعِرٍ}: نعت لنخل أو لأعجاز مجرور بالكسرة الظاهرة، وهو اسم فاعل من انْقَعَرَ يَنْقَعِرُ انْقِعَاراً، إذا انقلع من أصله وقعره وسقط على الأرض.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذه المشهدية التصويرية الصادمة!
بدأت بوصف الريح: {رِيحًا صَرْصَرًا}.
ثم زمانها المستمر في النحس: {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ}.
ثم حركتها العنيفة القالعة: {تَنزِعُ النَّاسَ}.
ثم استقرت الصورة على المشهد الساكن النهائي المروع: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ}؛ جثث متناثرة ملقاة على وجه الأرض كجذوع النخل المنقلعة.
التعبير بالفعل المضارع {تَنزِعُ}: يفيض بالحيوية والحركة؛ كأن السامع يرى الريح الآن وهي تخطف الرجال واحداً تلو الآخر وتطير بهم وتدق أعناقهم في مشهد تذهل له العقول.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المقارنة بين تشبيهي عاد في القرآن (منقعر وخاوية):
ورد في سورة الحاقة: {فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ}.
وورد هنا في سورة القمر: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ}؛ فما سر التغاير البياني البديع؟
التحقيق البلاغي المحكم:
في سورة الحاقة كان السياق في بيان استيعاب المدة والهلاك التام على مدار {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا}، فناسب وصفهم بـ{خَاوِيَةٍ}؛ أي نخرة فارغة الجوف تآكلت أحشاؤها من الداخل بعد موتهم الطويل.
أما في سورة القمر فالسياق سياق بطش وقوة وسرعة واقتلاع ونزع بالأبدان {تَنزِعُ النَّاسَ}، فناسب وصفهم بـ{مُّنقَعِرٍ}؛ أي منقلع مقتلع من جذوره وأصله بالقوة القاهرة العاصفة.