تقرر الآية الكريمة إرسال المعجزة الكونية الخارقة التي طلبتها ثمود تعنتاً؛ وهي الناقة العظيمة العشراء التي أخرجها الله لهم من صخرة صماء ملساء، لتكون اختباراً وابتلاءً لصدقهم، مع توجيه الأمر لصالح بالترقب والصبر.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٢١)مصدر غير محدد٢٢/٥٢١ عن قتادة ومجاهد وابن عباس في قوله: {إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ}: قال: سألوا صالحاً آية وقالوا: أخرج لنا من هذه الصخرة الصماء ناقة كوماء عشراء تلد فصيلاً يشبهها، فإن فعلت آمنا بك؛ فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم الله ليؤمنن به، فدعا ربه فانشقت الصخرة فخرجت منها الناقة كما سألوا، فكانت {فِتْنَةً لَّهُمْ} أي اختباراً وامتحاناً لهم ليتبين الصادق من الكاذب؛ {فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ}: قال: ارتقب ما يصنعون وما يحل بهم من أمر الله، واصبر على أذاهم حتى يأتيهم قضاؤه.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٥٠)مصدر غير محدد٧/٤٥٠: يقول تعالى مخبراً عما امتحن به ثمود؛ حين سألوا نبيهم صالحاً أن يخرج لهم ناقة عظيمة من صخرة معينة، فاستجاب الله دعاءه وأخرجها لهم آية مبصرة وبينة قاهرة؛ وجعلها فتنة واختباراً؛ وأمر نبيه بالتربص والانتظار لما يؤول إليه أمرهم، والصبر على مشاق دعوتهم وأذاهم.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٩٧)مصدر غير محدد١٧/٩٧: الفتنة هنا: الاختبار والامتحان؛ والارتقاب: الانتظار والترصد؛ والاصطبار: المبالغة في الصبر وثبات النفس؛ والناقة معجزة باهرة كانت تشرب ماء الوادي يوماً وتشرب القبيلة كلها من لبنها في ذلك اليوم، ثم يشربون الماء في اليوم التالي.
وفي التحرير والتنوير: إسناد الإرسال إلى الله تعالى بصيغة اسم الفاعل المضاف {مُرْسِلُو النَّاقَةِ} يفيد تحقيق الوقوع وأن خروجها أمر رباني معجز باهر لا دخل للبشر فيه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّا}: إن حرف توكيد ونصب، و(نا) اسمها.
{مُرْسِلُو}: خبر إن مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف، وصيغته اسم فاعل من أرسل يرسل إرسالاً.
{فِتْنَةً}: مفعول لأجله منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ أي لأجل الفتنة والامتحان، أو حال من الناقة؛ أي مفتوناً بها.
{لَّهُمْ}: جار ومجرور متعلق بفتنة.
{فَارْتَقِبْهُمْ}: الفاء فصيحة، ارتقب فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، والهاء مفعول به والميم للجمع، والارتقاب النظر والانتظار بترصد واهتمام.
{وَاصْطَبِرْ}: الواو عاطفة، اصطبر فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، وصيغته افتعل من الصبر، وأبدلت تاؤه طاءً لتناسب إطباق الصاد، والاصطبار أبلغ من الصبر؛ أي الزم كمال الصبر والثبات التام.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الانتقال من التهديد بـ{سَيَعْلَمُونَ غَدًا} إلى ذكر سبب إهلاكهم في ذلك الغد الموعود!
سيعلمون غداً عاقبة أمرهم حين ينكثون العهد في شأن المعجزة التي اقترحوها بأنفسهم.
فجاءت الناقة لتكون الفيصل التاريخي بين قيام الحجة واستحقاق الاستئصال؛ فإرسال الآية المقترحة يعقبه إما إيمان خالص وإما هلاك مستأصل.
اقتران الأمر بالارتقاب بالأمر بالاصطبار {فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ}: توجيه نبوي جامع؛ ارتقاب لنفاذ سنن الله فيهم، واصطبار على جهلهم وطغيانهم حتى يأتي وعد الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
خطورة طلب الآيات والمعجزات المقترحة:
أصلت الآية سنة إلهية ثابتة: أن الأمم إذا طلبت معجزة حسية معينة وتحدت بها الرسل، ثم استجاب الله لطلبهم فأراهم المعجزة عياناً ولم يؤمنوا، فإن سنة الاستئصال تحق عليهم فوراً بلا إمهال؛ ولذلك لم يستجب الله لطلب قريش حين سألوا تحويل الصفا ذهباً رحمة بهم وإبقاءً على نسلهم حتى يسلموا، بينما أرسل الناقة لثمود فلما عقروها أبادهم عن آخرهم.
حقيقة الفتنة: الفتنة هنا ليست إضلالاً ابتدائياً من الله، بل هي امتحان للصدق والأمانة؛ فمن وفى بعهده نجا، ومن نكث وبغى هلك بظلمه.