يتكرر هذا التقريع الإلهي المهيب المباشر لهؤلاء الهالكين؛ لبيان أن هذا العذاب الحاصب المستقر هو جزاء ما استهزأوا به من نذر الله تعالى وتحذيرات رسوله.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٢٩)مصدر غير محدد٢٢/٥٢٩ عن قتادة في قوله: {فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ}: قال: هذا قول الله تبارك وتعالى لهم حين صب عليهم العذاب الصباحي؛ ذوقوا عذابي الذي كنتم تكذبون به وتمارون فيه، وذوقوا عاقبة نذري التي تهاونتم بها واستهزأتم برسلها.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٥٣)مصدر غير محدد٧/٤٥٣: تكرر هذا القول توبيخاً لهم وتقريعاً وإهانة؛ كقوله تعالى: {هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ}؛ أي قيل لهم عند معاينة العذاب المستقر: ذوقوا هذا العذاب الأليم الذي استعجلتموه وسخرتم منه.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٠١)مصدر غير محدد١٧/١٠١: كرر هذا القول للتأكيد والوعيد؛ فالأولى (الآية ٣٧) كانت عند طمس أعينهم في المساء عند مراودة الضيف، وهذه الآية الثانية (الآية ٣٩) كانت عند إهلاكهم التام بالحاصب وقلب الديار في الصباح الباكر؛ فلكل عذاب ذوقه ونكاله الخاص به.
وفي التحرير والتنوير: تكرار الجملة بحروفها في سياقين متقاربين يوضح تعاقب ألوان العذاب عليهم؛ فذوقوا عذاب طمس الأعين أولاً، ثم ذوقوا عذاب الاستئصال والموت ثانياً، مما يضاعف عليهم الحسرة والهوان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَذُوقُوا}: الفاء فصيحة مفرعة على تصبيح العذاب المستقر، ذوقوا فعل أمر للتهكم والتوبيخ والإهانة مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والجملة مقول القول لقول محذوف تقديره: قلنا لهم أو قيل لهم ذوقوا.
{عَذَابِي}: مفعول به منصوب بالفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
{وَنُذُرِ}: الواو عاطفة، نُذُر معطوف منصوب بالفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة رسماً وفواصل، والكسرة دليل عليها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبلغ هذا التكرار الإيقاعي الصاعق!
في الآية (٣٧) لما طمست أعينهم قيل لهم: {فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ}.
وفي هذه الآية (٣٩) لما صبحهم العذاب المستقر قيل لهم: {فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ}.
هذا التكرار يؤكد أن العذاب تدرج معهم من الجزئي الحسي (طمس الأعين) إلى الكلي المستأصل (الاستئصال التام)، وفي كلتا الحالتين يقابلون بذات التقريع ليذوقوا مرارة التكذيب.
مهدت هذه الخاتمة لإلقاء لازمة التيسير الرابعة والأخيرة في السورة في الآية التالية مباشرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سر التكرار في قصة قوم لوط:
لماذا تكررت {فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ} مرتين في قصة واحدة بفارق آية واحدة فقط؟
الجواب البلاغي والتحقيقي الدقيق:
المرة الأولى كانت عقوبة لجريمة خاصة محددة؛ وهي الوقاحة في مراودة أضياف النبي وكسر بابه، فكانت العقوبة طمس الأعين.
والمرة الثانية كانت عقوبة الجريمة العامة الكبرى؛ وهي الكفر بالنذر والتمادي في الفاحشة والاستكبار عن التوبة، فكانت العقوبة الحاصب وقلب الديار بكرة.
فتكرار القول يطابق تكرار العذاب وتنوعه لبيان أن كل جريمة قوبلت بنكال يناسبها ويقمع باطلها.
الاستعارة في فعل الذوق: تكرار فعل الذوق يرسخ فكرة تغلغل الألم في الحواس والنفس والجسد؛ فلا يقتصر على مجرد رؤية العذاب، بل ملامسته وتجرع مرارته قطرة قطرة.
حذف ياء المتكلم في {وَنُذُرِ}: يحقق السرعة والخفة الموسيقية والتناغم التام مع فواصل الآيات في سورة القمر.
الإشارة التدبرية: أعظم ألم يلقاه المعذب ليس ألم النار والضرب فحسب، بل ألم التقريع والتهكم من العزيز الجبار؛ حين يقال له ذق ما كنت به تستهزئ!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من الذوق المؤلم في الآخرة: استشعار المؤمن لهول هذا النداء، وسؤال الله تعالى السلامة والعافية من أن يكون من المخاطبين بـ{فَذُوقُوا}.
البعد عن التمادي في المعاصي: أن يدرك العاصي أن استمراره في الذنوب يورده موارد الذوق الأليم للشدائد والمصائب.
استحضار صدق النذر النبوية: كمال الإذعان لنذر النبي صلى الله عليه وسلم، وتصديقه في كل ما أخبر به من أمر الآخرة والحساب.