تصف الآية الكريمة الاستجابة الإلهية الفورية لدعاء نوح عليه السلام؛ حيث تسخرت قوى الكون العلوي، وانفتحت السماء بفيضان مائي هائل لم يعهد البشر مثله قط.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٠٧)مصدر غير محدد٢٢/٥٠٧ عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما في قوله: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ}: قال: فُتحت أبواب السماء فانصب الماء صباً كأفواه القِرَب والسيول، ولم يكن مطراً يخرج من السحاب قطرة قطرة، بل فُتحت أبواب السماء بالماء تدفقاً وانسكاباً مستمراً.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٧)مصدر غير محدد٧/٤٤٧: أي فتح الله أبواب السماء بماء كثير متتابع متدفق لا ينقطع، والمنهمر هو المنصب انصباباً شديداً متتابعاً من غير توقف ولا انقطاع، لتلتقي مياه السماء بمياه الأرض كما قدر الله في الأزل.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٩٠)مصدر غير محدد١٧/٩٠: الهمرة: الصبة الشديدة من الدمع أو المطر؛ وانهمر الماء إذا انسكب بحدة وقوة؛ والمعنى: أن السماء انشقت أبوابها فكان الماء ينزل متصلاً كأنه أنهار تتدفق من الفضاء العلوي، لا على هيئة القطر المعتاد.
وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي: {فَفَتَحْنَا} بالتخفيف، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: {فَفَتَّحْنَا} بالتشديد للتكثير والمبالغة في فتح الأبواب المتعددة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَفَتَحْنَا}: الفاء عاطفة سببية تفيد سرعة التعقيب والاستجابة الفورية، فتحنا فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و(نا) ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل يعود على العظمة الإلهية.
{أَبْوَابَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف، وأبواب جمع باب، وهو المدخل والمنفذ.
{السَّمَاءِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره.
{بِمَاءٍ}: الباء حرف جر للملابسة أو السببية، ماء اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلق بالفعل فتحنا.
{مُّنْهَمِرٍ}: نعت لماء مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وصيغته اسم فاعل من انْهَمَرَ يَنْهَمِرُ انْهِمَاراً، مطاوع هَمَرَهُ؛ إذا صبَّه صباً شديداً متدفقاً بغير انقطاع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أسرع ترتيب الفاء السببية في {فَفَتَحْنَا}! تلو قوله في الآية السابقة: {فَانتَصِرْ}؛ فبمجرد أن انتهى نوح من دعائه انطلقت قوى الكون لتنفيذ أمر الانتصار؛ فلم يكن بين الدعاء والنصر تراخٍ ولا انتظار، بل سرعة مذهلة تثبت هيمنة الربوبية المطلقة.
استعارة الأبواب للسماء {أَبْوَابَ السَّمَاءِ}: تعبير نظمي بالغ التهويل؛ فالماء لم يأت من سحاب تذروه الرياح كالمعتاد، بل كأن السماء بأسرها أغلفت أجرامها وصارت أبواباً مفتحة ينصب منها بحر علوي متصل، وهو مشهد يخلع الأفئدة من هوله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التحقيق الفيزيائي والجيولوجي للطوفان الأعظم:
أثبتت الدراسات الجيولوجية والأركيولوجية القديمة في منطقة بلاد الرافدين والشرق الأدنى وقوع فيضانات وطوفانات مائية كارثية غطت أرجاء شاسعة من المعمورة ورسبت طبقات سميكة من الطمي فوق المستوطنات القديمة.
والقرآن الكريم يحدد بدقة مصدر الطوفان: أنه لم يكن مجرد مطر استوائي موسمي، بل كان التقاءً لكتلتين مائيتين خارقتين للمألوف: تفجر ينابيع الأرض من القيعان، وانسكاب مياه السماء من الفضاء العلوي، فغمرت المياه قمم الجبال وحسمت بقاء الكفر.
عدالة العقوبة وتناسبها: الطوفان المائي كان جزاءً وفاقاً؛ فالأرض التي تنجست بالشرك تسعمائة وخمسين عاماً، وأبت أن تتطهر بنور التوحيد وماء الوحي، طهرها الله بطوفان مائي جرف الطغاة وتركها بيضاء نقية للمؤمنين الصالحين.
الاستعارة التمثيلية التخييلية في {أَبْوَابَ السَّمَاءِ}: تمثيل بديع لتكاثف السحب وتدفق الأمطار بصورة أبواب وقصور فُتحت مصاريعها على مصاريعها لينحدر منها الطوفان دفعة واحدة.
الجرس الصوتي في كلمة {مُّنْهَمِرٍ}: نطق الكلمة (الميم والنون والهاء والميم والراء) يفيض بصوت الانسكاب الهادر المتواصل؛ كأنك تسمع دوام تدفق السيول وجريان الأنهار بلا انقطاع.
الإشارة التدبرية: الماء الذي هو أصل الحياة والرحمة والنماء، تحول بأمر الله وجنده إلى سلاح إهلاك فتاك يجرف الأمم؛ فالمخلوقات كلها خاضعة لمشيئة خالقها؛ ترحم بأمره وتهلك بأمره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عظمة قدرة الله وبطشه بالظالمين: استشعار العبد لجلال الله وبأسه؛ فإذا غضب الجبار على أمة سخر عليها ألطف ما تنتفع به في حياتها (الماء أو الريح) ليكون سبب هلاكها وفنائها.
اليقين باستجابة دعاء المظلومين: توجيه كل مضطهد إلى الثقة بأن الله قادر على تسخير السماء والأرض لنصرته وإن عجزت كل الأسباب الأرضية.
الحذر من استجلاب سخط الله: الخوف من التمادي في الذنوب والمعاصي والظلم؛ فإن غضب الله إذا نزل لم يدفعه مال ولا سلاح ولا قوة.