تنتقل السورة الكريمة بإيجاز بليغ مكثف إلى المشهد التاريخي الخامس؛ وهو نبأ فرعون وملئه وجيوشه الذين طغوا في البلاد وكذبوا بالآيات الباهرات.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٣١)مصدر غير محدد٢٢/٥٣١ عن قتادة ومجاهد في قوله: {وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ}: قال: جاء فرعون وقومه النذر على لسان موسى وهارون عليهما السلام بالآيات التسع البينات والمعجزات القاطعات، فأنذرهم موسى بأس الله ونقمته إن لم يرسلوا معه بني إسرائيل ويوحدوا الله.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٥٣)مصدر غير محدد٧/٤٥٣: أي ولقد جاء فرعون وقومه أتباعه على دينه من القبط الإنذارُ والرسل؛ وموسى وهارون عليهما السلام، ومعهما الآيات الباهرات والدلائل القاهرة والحجج الدامغة، فأنذروهم عذاب الدنيا والآخرة.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٠٢)مصدر غير محدد١٧/١٠٢: آل فرعون: قومه وأتباعه؛ والفرعون لقب لكل من ملك مصر من العمالقة؛ والنُّذُر: فاعل جاء مؤخر؛ أي جاءتهم الرسل أو الإنذارات بالآيات التسع كالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وغيرها.
وفي التحرير والتنوير: طوى القرآن هنا تفاصيل قصة فرعون لأنها مبسوطة ومشهورة في سور كثيرة (كالأعراف وطه والشعراء والقصص)، واقتصر على إبراز النتيجة الصادمة لمصير أعظم ملك ودولة في ذلك العصر، لتحذير كفار قريش.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَقَدْ}: الواو واو القسم، اللام للتوكيد، قد حرف تحقيق.
{جَاءَ}: فعل ماض مبني على الفتح الظاهر.
{آلَ}: مفعول به مقدم منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف، والآل الأهل والأتباع على المذهب والدين.
{فِرْعَوْنَ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
{النُّذُرُ}: فاعل مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو جمع نذير أو جمع نذارة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع هذا التكثيف النظمي المعجز!
بعد أن فصّل في قصص نوح وعاد وثمود وقوم لوط تفصيلاً تصويرياً حياً.
أوجز قصة فرعون في آيتين اثنتين فقط: مجيء النذر، ثم التكذيب والأخذ الأليم!
لأن السامع القرشي قد تروى من التفاصيل واستقر في وجدانه القانون الكلي للهلاك؛ فناسب أن تختم النماذج التاريخية بنموذج فرعون الذي يمثل قمة الطغيان السياسي والعسكري، ليكون تمهيداً لمخاطبة كفار قريش في الآية التالية: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عموم الإنذار واستيعابه لجميع المستويات السياسية والشعبية:
عبر بـ{آلَ فِرْعَوْنَ}؛ ولم يقل (فرعون) وحده؛ للدلالة على أن النذر عمت رأس السلطة وبطانته وجيوشه وشعبه؛ فالجميع اشترك في الظلم والتكذيب والاستكبار والعبودية لغير الله؛ ولذلك عمهم الغرق والعذاب جميعاً.
قيام الحجة بالآيات المتتابعة: لم يأتهم نذير واحد فقط، بل جاءتهم {النُّذُرُ} بالجمع؛ آيات تلو آيات ومعجزات قاهرة فلق بها البحر وعصا تحولت إلى ثعبان ويد بيضاء، ومع ذلك أصروا على التكذيب.
تقديم المفعول به {آلَ فِرْعَوْنَ} على الفاعل {النُّذُرُ}: للاهتمام ببيان عظمة المحكوم عليهم؛ فهؤلاء الجبابرة الفراعنة الذين ادعوا الألوهية وخضعت لهم مصر وأنهارها، هم أنفسهم الذين دخلت عليهم النذر في قصورهم وألزمتهم الحجة.
الإيجاز الإعجازي بحذف المتعلقات: اكتفى بذكر مجيء النذر تمهيداً لبيان جحودهم الكامل في الآية التالية.
الإشارة التدبرية: لا يوجد طاغية معصوم من مجيء نذر الله؛ فكل ظالم تبلغه رسائل التحذير الربانية؛ إما بالمرض، أو بابتلاء في ماله، أو بموعظة ناصح، فإن لم يزدجر حاق به الأخذ الأليم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عدم الخوف من عظمة الطغاة والملوك: تعليم الدعاة والمصلحين الجرأة في الصدع بالحق أمام أعتى الحكام المستكبرين، تأسياً بموسى وهارون في دخولهما على فرعون بنذر الله.
مسؤولية الشعوب والبطانات: تذكير الأمم بأن طاعة الحكام في معصية الله ظلم واستكبار يوجب الهلاك العام؛ فالشعوب مسؤولة عن سكوتها على الطغيان.
الحذر من رد الآيات المتتابعة: ألا يستهين المسلم بالمواعظ والنذر التي تأتيه، وأن يبادر بالتوبة والإصلاح قبل فوات الأوان.