تستكمل الآية الكريمة رسم صورة انقيادهم القهري الأعمى لصوت المنادي في ساحة المحشر، وتكشف اعترافهم الصريح المرير بعسر ذلك اليوم وهوله القاصم.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٠٤)مصدر غير محدد٢٢/٥٠٤ عن ابن عباس وقتادة في قوله: {مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ}: قال: المهطع: المسرع المقنع رأسه، الشاخص بصره لا يطرف، الملتفت المستجيب قسراً وقوة، لا يستطيع أن يحيد ولا يلتفت عن الداعي يمنة ولا يسرة.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٦)مصدر غير محدد٧/٤٤٦: أي مسرعين مبادرين منقادين إلى موضع النداء، لا يقدرون على التخلف ولا التريث، شاخصة أبصارهم إليه، {يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} أي هذا يوم شديد البأس، صعب المخلص، ثقيل الهول؛ كما قال تعالى في سورة الفرقان: {وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا}، وفي سورة المدثر: {فَذَٰلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ}.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٨٨)مصدر غير محدد١٧/٨٨: الإهطاع: الإسراع في خضوع وذل مع مد العنق وإدامة النظر بلا طرف؛ يقال: أهطع الرجل إذا أقبل مسرعاً خائفاً منقاداً، وهطع يهطع إذا ذل؛ فالكفار في ذلك اليوم يساقون قهراً إلى الموقف لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً.
وفي التحرير والتنوير: إسناد القول إلى {الْكَافِرُونَ} بالإظهار في موضع الإضمار تسجيل عليهم وتخصيص؛ لأن اليوم عسير عليهم وحدهم، أما على المؤمنين فهو يوم يسر وبشارة وأمن.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مُّهْطِعِينَ}: حال منصوبة ثانية أو ثالثة من واو الجماعة في {يَخْرُجُونَ}، وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم، وهو اسم فاعل من أهطع يهطع إهطاعاً، إذا أسرع خائفاً ممتداً عنقه شاخصاً بصره إلى المنادي.
{إِلَى}: حرف جر لانتهاء الغاية.
{الدَّاعِ}: اسم مجرور بإلى وعلامة جره الكسرة المقدرة على الياء المحذوفة في الرسم العثماني تخفيفاً، والجار والمجرور متعلق باسم الفاعل مهطعين.
{يَقُولُ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وجملة الفعل والفاعل في محل نصب حال أو مستأنفة.
{الْكَافِرُونَ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم.
{هَٰذَا}: ها للتنبيه، ذا اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{عَسِرٌ}: نعت ليوم مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والعسر نقيض اليسر، وهو الشديد ذو المشقة والأهوال التي لا يتيسر الخلاص منها، وجملة المبتدأ والخبر {هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} في محل نصب مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع دقة النظم في استكمال المشهد!
خرجوا كجراد منتشر (حالة كثرة وانتشار وتخبط).
ثم تحول هذا الانتشار فوراً إلى اتجاه موحد منقاد لا شذوذ فيه: {مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ}؛ لبيان أن هيبته وسلطانه قهروا تشتتهم وجمعوهم في مسار واحد صاغرين.
المقابلة الصارخة بين كلامهم في الدنيا وكلامهم في الآخرة:
في الدنيا قالوا بمكابرة وغرور: {سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ}.
وفي الآخرة حين عاينوا الحقيقة قالوا بذلة واستسلام: {هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ}.
وهذا يثبت أن كل مكابرة زائلة، وأن الحقيقة ستبوح بها ألسنتهم صاغرين غداً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مفهوم العسر وميزان العدالة:
لماذا كان اليوم عسيراً؟ لأن الكافر أضاع في الدنيا رأس ماله (العمر والإيمان)، وجاء يوم الحساب مفلساً من الحسنات محملاً بالأوزار والجرائم والمظالم، فلا يجد في الميزان ما ينجيه؛ فكل مخرج أمامه مسدود، وكل حجة باطلة داحضة.
أما المؤمن التقي الصالح فاليوم في حقه ميسر لطيف أخف عليه من صلاة مكتوبة كما ورد في الأحاديث الصحيحة؛ فالعسر خاص بالكافرين جزاء وفاقاً لكفرهم واستكبارهم.
إسقاط دعوى التمرد في المحشر: في الدنيا كان الكفار يتمردون على أوامر الله ويعصون رسله؛ فبين القرآن أن هذا التمرد سيسقط سقوطاً تاماً في الآخرة؛ فلن يستطيع أحد أن يتخلف خطوة واحدة عن نداء الداعي، بل يهرعون مهطعين صاغرين.
الدقة الحركية في لفظ {مُّهْطِعِينَ}: الكلمة ترسم هيئة حسية متكاملة (سرعة في الخطى، مد في الأعناق، جمود في الأبصار، انحباس في الأنفاس)؛ وهذا إعجاز تصويري يبث الرعب في قلب القارئ وكأنه يشاهد المشهد رأي العين.
الإظهار في قوله {يَقُولُ الْكَافِرُونَ}: لم يقل (يقولون) بالإضمار؛ بل صرح باسم الكفر؛ للدلالة على أن سبب وقوع هذا العسر بهم، وسبب اعترافهم بالخزي، هو كفرهم الذي أصروا عليه في الدنيا.
الإشارة التدبرية: كل عسر يصيب المؤمن في طاعة الله وصبره على الابتلاء في الدنيا سينقلب إلى يسر دائم غداً؛ وكل يسر ولذة محرمة استمتع بها الكافر في الدنيا ستنقلب إلى عسر دائم لا فرج منه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تيسير حساب الآخرة بالعمل في الدنيا: حث المسلمين على المسارعة في تفريج كربات المكروبين، وأداء الحقوق، والتوبة النصوح؛ فمن يسّر على معسر في الدنيا يسّر الله حسابه يوم القيامة.
الاستسلام والانقياد لداعي الله اليوم: نداء لكل مسلم أن يكون مهطعاً مستجيباً لنداء الأذان والصلاة وأوامر الشريعة اليوم طوعاً واختياراً ومحبة، لينجو من الإهطاع القهري المذل غداً.
اليقين بزوال الغرور الدنيوي: عدم الافتتان بما يملكه أعداء الله اليوم من قوة وجبروت وتكنولوجيا، وتذكر أنهم غداً سيكونون أذل من الجراد يصرخون: {هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ}.