بعد أن بين القرآن جزاءهم الدنيوي العاجل بالهزيمة المذلة في بدر، أضرب إضراباً انتقالياً مروعاً ليوضح أن هزيمة الدنيا ليست إلا بداية يسيرة، وأن العذاب الأكبر والداهية الكبرى إنما تنتظرهم في الآخرة.
روى البخاري في صحيحه (كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن، حديث رقم ٤٩٩٣)مصدر غير محددحديث رقم ٤٩٩٣ عن يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، إذ جاءها عراقي فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك وما يضرك! قال: يا أم المؤمنين، أريني مصحفكِ لعلي أؤلف القرآن عليه؛ فإنه يُقرأ غير مؤلف! قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل؟ إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبداً؛ «لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ}، وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ».
وذكر الطبري (ج ٢٢، ص ٥٣٦)مصدر غير محدد٢٢/٥٣٦ عن مجاهد وقتادة: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ}: أي بل موعد عذابهم الذي يجازون فيه بأعمالهم هو يوم القيامة، {وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ}: أي أشد وأفظع، وأمر مذاقاً من القتل والأسر والهزيمة يوم بدر.
وقال ابن كثير (ج ٧، ص ٤٥٦)مصدر غير محدد٧/٤٥٦: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ}: أي لعذابهم في الآخرة، وهو اليوم الذي يحاسبون فيه، {وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ} أي أعظم داهية وأشد مرارة مما نالهم في الدنيا من القتل وسحب الجثث في القليب.
ونقل القرطبي (ج ١٧، ص ١٠٥)مصدر غير محدد١٧/١٠٥ عن أهل اللغة: الداهية: الأمر العظيم المنكر الذي لا يقدر على دفعه، والمُرّ: ضد الحلو، والأمرّ: الأشد مرارة؛ أي مذاق عذابها أشد من مرارة الصبر والحنظل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{بَلِ}: حرف إضراب وانتقال مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين؛ يفيد الإضراب عن الهزيمة الدنيوية إلى بيان الموعد الحق المستأصل في الآخرة.
{مَوْعِدُهُمْ}: موعد خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه والميم للجمع، وموعد اسم زمان أو مصدر ميمي بمعنى الوعد واللقاء للجزاء.
{وَالسَّاعَةُ}: الواو حالية أو استئنافية، الساعة مبتدأ ثان مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{أَدْهَىٰ}: خبر المبتدأ الثاني مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر، وهو اسم تفضيل من الدهاء بمعنى عظم البلية والداهية الملمة التي لا مخلص منها.
{وَأَمَرُّ}: الواو حرف عطف، أمرّ معطوف على أدهى مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو اسم تفضيل من المرارة؛ أي أشد مرارة وأعظم كراهة للنفس من كل طعم مر وألم فادح.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ثم أكد لفظ {وَالسَّاعَةُ} بإعادته مظهراً دون إضمار، لتهويل شأنها وترسيخ هيبتها في القلوب: {وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ}.
التناسب التام مع مطلع السورة: افتتحت السورة بـ{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ}، ثم ها هي تقرر هنا أن هذه الساعة المقتربة هي الموعد الفصل والداهية العظمى للمكذبين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة العذاب المادي الدنيوي مقارنة بعذاب الآخرة:
القتل في الدنيا ألم ينتهي في لحظات بالموت وزهاق الروح، حتى وإن كان أليماً كقطع الرؤوس في المعركة.
أما عذاب الساعة فهو عذاب مقيم دائم لا موت فيه ولا فناء: {لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا}؛ فلذلك وصفت بأنها {أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ}.
حكمة الإضراب بـ{بَلِ}: تصحيح موازين النظر عند المؤمن والمكذب معاً؛ فلا ينبغي للمؤمن أن يرى غاية الثأر في نصر دنيوي عابر، ولا يظن الكافر أنه إذا مات أفلت من قبضة العدالة الإلهية؛ فالمرجع الأكبر والقصاص التام يوم القيامة.
إظهار الاسم الجليل {وَالسَّاعَةُ} في موضع الإضمار: لم يقل (وهي أدهى وأمر)، بل كرر {وَالسَّاعَةُ} للإشعار بفخامتها وجلال هولها واستحضار عظمتها في ذهن السامع.
الإشارة التدبرية: استحضار مرارة عذاب الآخرة يهون على العبد كل مرارة يجدها في الصبر على طاعة الله أو البلاء في الدنيا؛ فكل مرارات الدنيا حلوة إذا قورنت بأمرارة جهنم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ربط القلوب بالدار الآخرة والجزاء الأوفى: ترسيخ عقيدة البعث والحساب في النفوس؛ فهي الضابط الحقيقي للسلوك البشري والملاذ العادل للمظلومين.
الاستعداد للداهية الكبرى بالعمل الصالح: الخوف والوجل من هول الساعة، والمبادرة بالتوبة والاستغفار؛ فإن الداهية العظمى لا ينجي منها إلا الإيمان والتقوى.
الثبات عند تأخر العقاب الدنيوي للظالمين: اليقين بأن إمهال الله للظلمة ليس إهمالاً؛ فلئن نجا الظالم من عقاب الدنيا بموته على فراشه، فإن الساعة موعده وهي أدهى وأمر.