تواصل الآية كشف منطق الحسد والاستكبار لدى ثمود؛ حيث اعترضوا على اختصاص صالح عليه السلام بالوحي والرسالة من دون كبرائهم وأغنيائهم، ورموه بأقبح تهم الكذب والبطر.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٢٠)مصدر غير محدد٢٢/٥٢٠ عن قتادة ومجاهد في قوله: {أَءُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا}: قال: أحُصّ بالوحي والنبوة من بيننا وفينا من هو أسن منه وأشرف وأكثر مالاً؟! وهذا عين الحسد والطعن في حكمة الله، {بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ}: قال: أشر أي بطر متكبر مرح، يريد أن يتعالى علينا ويسودنا بادعاء النبوة.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٩)مصدر غير محدد٧/٤٤٩: أي استبعدوا أن ينزل الله الوحي عليه من بين سائر القوم ولم يكن بأعظمهم جاهاً ولا أسبقهم مالاً، كما قالت قريش: {لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}، ثم افتروا فقالوا: {بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} أي كاذب في دعواه، بطر متجبر متطاول يريد الترفع على قومه.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٩٧)مصدر غير محدد١٧/٩٧: الأشِر: البَطِر المتكبر الذي لا يبالي بما قال من الكذب؛ مأخوذ من الأَشَر وهو شدة المرح والبطر وتجاوز الحد؛ وقرأ الجمهور: {أَءُلْقِيَ} بهمزتين محققتين أو بتسهيل الثانية، وقرئ بهمزتين وإدخال ألف بينهما.
وفي التحرير والتنوير: {مِن بَيْنِنَا} يفيد الاستغراب والاستنكار؛ أي كيف اختص هو بالرسالة وتجاوزتنا مع وفرة عظمائنا ورؤسائنا؟! وهذا منطق الحسد الذي يعترض على فضل الله ومشيئته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَءُلْقِيَ}: الهمزة الأولى للاستفهام الإنكاري التهكمي، والهمزة الثانية همزة الفعل، أُلقي فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح الظاهر، ومعناه أنزل وأوحي.
{الذِّكْرُ}: نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والمراد بالذكر الوحي الإلهي والرسالة والموعظة.
{عَلَيْهِ}: جار ومجرور متعلق بالفعل ألقي.
{مِن}: حرف جر لابتداء الغاية أو التبعيض.
{بَيْنِنَا}: اسم مجرور بمن وعلامة جره الكسرة وهو مضاف، و(نا) ضمير متصل في محل جر مضاف إليه، والجار والمجرور متعلق بحال محذوفة من نائب الفاعل؛ أي مختصاً به من بين سائر رجالنا.
{بَلْ}: حرف إضراب انتقالي وإبطالي يفيد الانتقال إلى الطعن الصريح المباشر.
{هُوَ}: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
{كَذَّابٌ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو صيغة مبالغة من كاذب تدل على كثرة تعمد الكذب واختلاقه.
{أَشِرٌ}: نعت لكذاب مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو صفة مشبهة من أَشِرَ يَأْشَرُ أَشَراً، إذا بطر وتكبر وتطاول على الناس بالفخر والخيلاء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا التدرج في الوقاحة وسوء الأدب مع الأنبياء!
أنكروا أولاً جنس الرسالة البشرية: {أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ}.
ثم تحاسدوا واستكبروا عن اختصاص صالح بالوحي: {أَءُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا}.
ثم بلغوا قمة السفاهة برميه بالافتراء والكبر: {بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ}.
التعبير بـ{أَءُلْقِيَ الذِّكْرُ}: بصيغة المبني للمجهول؛ يظهر غفلتهم وتجاهلهم لاسم الله تعالى؛ فلم يقولوا (أأنزل الله عليه الذكر؟) فراراً من الاعتراف بقدرة الله على الاصطفاء، ونسبوا الأمر إلى إلقاء عشوائي مجرد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إسقاط معايير الاستحقاق المادية للرسالة:
الكفار في كل عصر يقيسون أقدار الرجال بالأموال والأنساب والأعوان، فإذا رأوا مصلحاً أو نبياً ليس من طبقة المترفين طعنوا في رسالته؛ وهذا خطل عقلي مبين؛ لأن النبوة كمال روحي وعقلي وأخلاقي يهبه الله لمن زكت نفسه وطهر قلبه، وليست منصباً يباع ويشترى بالأموال.
تفنيد فرية البطر والكذب: صالح عليه السلام كان أطهر قومه وأصدقهم وأرجاهم فيهم كما قالوا له: {قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَٰذَا}؛ فكيف ينقلب الصادق الأمين فجأة إلى كذاب أشر إلا في أوهام المحرومين من نور البصيرة؟!
صيغة المبالغة في {كَذَّابٌ}: والصفة المشبهة في {أَشِرٌ}: تدل على حنقهم وغيظهم الشديد؛ فرموه بأقسى الألفاظ محاولة لإسقاط هيبته وتنفير العامة من سماع دعوته.
الإضراب بـ{بَلْ}: إضراب يكشف أن علتهم لم تعد مجرد تساؤل عن معجزة، بل حكم مسبق صادر بالعداء والتشويه المتعمد.
الإشارة التدبرية: الحاسد لا يرضيه إلا زوال النعمة عن أخيه؛ فرمي الرسل والمصلحين بالرغبة في السيادة والرياسة حيلة قديمة للجاحدين لتشويه مقاصدهم النبيلة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التسليم لحكمة الله في العطاء والاصطفاء: تربية القلب على الرضا بقسمة الله؛ فالله يفضل من يشاء برحمته وفضله {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}.
الصبر على الطعن في النيات: درس للدعاة ألا يحزنوا إذا رماهم الخصوم بحب الشهرة أو التكسب أو الرياسة؛ فهذا ديدن المبطلين مع خيرة الأنبياء.
التواضع ومجانبة الأشر والبطر: التحذير من صفة الأشر والبطر؛ فإن البطر كفر بالنعمة وازدراء للناس، وهو من أعظم موانع الهداية.