يعقب القرآن الكريم على ذكر الساعة وأهوالها ببيان حال هؤلاء المكذبين وما هم فيه من خسران مبين في الدنيا ونكال مقيم في الآخرة.
روى الطبري (ج ٢٢، ص ٥٣٧)مصدر غير محدد٢٢/٥٣٧ عن مجاهد وقتادة في قوله: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ}: قال: في ضلال عن الحق في الدنيا، وسُعُر: عذاب واحتراق في نار جهنم يوم القيامة، وقيل: سُعُر جمع سعير وهي النيران الموقدة، وقيل: جنون واضطراب؛ كما يقال: ناقة مسعورة إذا كانت خفيفة الرأس هائمة على وجهها لا تهتدي.
وذكر ابن كثير (ج ٧، ص ٤٥٦)مصدر غير محدد٧/٤٥٦: يخبر تعالى عن المجرمين المشركين أنهم في ضلال عن الحق والهدى في الدنيا، وفي سُعُر، وهي نيران متأججة تتلظى عليهم في الآخرة؛ جمع سعير.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٠٦)مصدر غير محدد١٧/١٠٦: المجرمون: المشركون الذين كسبوا السيئات وأصروا على الكفر؛ {فِي ضَلَالٍ} أي في ذهاب عن طريق الجنة، {وَسُعُرٍ} جمع سعير؛ أي في نيران جهنم تسعر بهم. وعن ابن عباس: {وَسُعُرٍ} في غناء وعناء وتعب لا ينقطع.
وفي التحرير والتنوير: الضلال هو التيه الفكري والعقدي، والسعر هو الاحتراق الحسي، وجمع بينهما لأن الضلال سبب والسعر مسبب وجزاء؛ فكما ضلت عقولهم في الدنيا سُعرت أجسادهم في الآخرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب مبني على الفتح ينصب الاسم ويرفع الخبر.
{الْمُجْرِمِينَ}: اسم إن منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد؛ والإجرام هو ارتكاب الذنب العظيم والشرك بالله.
{فِي ضَلَالٍ}: في حرف جر للظرفية، ضلال اسم مجرور بفي وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وشبه الجملة متعلق بمحذوف خبر إن.
{وَسُعُرٍ}: الواو حرف عطف، سُعُر اسم معطوف على ضلال مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو جمع سعير (كنذر ونذير)، أو مصدر بمعنى الاشتعال والجنون واستعارته للعذاب الأليم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع التناسب مع ما سبق في السورة!
في قصة ثمود قالت ثمود لصالح عليه السلام مستنكرة في الآية (٢٤): {أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ}.
فرمى الكفار نبي الله بالضلال والسعر، وظنوا أن اتباع الرسول يوقع في الضلال والنار والجنون.
فجاءت الآية (٤٧) لتقلب الدعوى على رؤوس المجرمين وتثبت الحقيقة الأزلية: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ}!
فليس أهل الحق والرسل هم أهل الضلال والسعر، بل أنتم أيها المجرمون المكذبون الغارقون في التيه المحترقون بالنار!
استخدام حرف الظرفية {فِي}: يدل على انغماسهم الكامل في الضلال، وإحاطة النيران المتسعرة بهم من كل جانب يوم القيامة كإحاطة الظرف بالمظروف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كشف الانقلاب المفاهيمي عند أهل الباطل:
أهل الباطل في كل زمان يرمون أهل التوحيد بالرجعية والجنون والضلال (كما قال فرعون لموسى: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ}).
والقرآن يعلمنا عدم الاكتراث بمصطلحات أهل الضلال؛ فالأحكام الحقيقية يصدرها خالق الكون؛ فالمجرم الحقيقي هو من عصى ربه وظلم نفسه.
رد العجز والتناقض العقلي: كيف يزعمون أنهم جمع منتصر وعقولهم تائهة في عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع؟ فاجتمع عليهم ضلال العقل في الدنيا، وسعر الأبدان في الآخرة.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
المقابلة التفسيرية المعجزة بين مقالة ثمود وقضاء الله: حكاية قول ثمود {إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} ثم تقرير حكم الله {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ}، يبرز جمال الإحكام القرآني وتناسق المفردات في السورة الواحدة.
تنكير {ضَلَالٍ وَسُعُرٍ}: للتهويل والتعظيم؛ أي في ضلال عظيم لا يهتدى بعده، وسعر بالغة الاشتعال لا يقادر قدرها.
الإشارة التدبرية: من لم يستنر بنور الوحي فهو في ضلال وإن حاز أرقى الشهادات المادية؛ فالعقل بلا وحي تائه في ظلمات الشبهات، ونهايته السعر الأبدي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صيانة المصطلحات الشرعية: اليقين بأن الهداية حصراً في اتباع النبي ﷺ، وأن كل انحراف عن الصراط المستقيم هو ضلال مبين يستوجب العقوبة.
الخوف من الاستدراج في أودية الضلال: تضرع العبد لربه بالثبات على الهداية: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»؛ فالضلال خطوات تبدأ بذنب وتصل إلى سوء الخاتمة.
الرحمة بالخلق ودعوتهم لإنقاذهم من السعر: استشعار الداعية لخطورة مصير العصاة والمكذبين؛ فيبذل وسعه في دعوتهم ونصحهم شفقة عليهم من أهوال النار.