تقيم الآية الحجة على قوم لوط وتبين أن هلاكهم كان بعد إعذار وإنذار متكرر ببطش الله وعذابه، ولكنهم شككوا في الإنذار واستهزأوا به وتجادلوا بالباطل.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٢٧)مصدر غير محدد٢٢/٥٢٧ عن قتادة ومجاهد في قوله: {وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا}: قال: حذرهم لوط عذاب الله وبأسه الشديد وأخذه الأليم وسطوته بهم، {فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ}: قال: كذبوا وشكوا في الإنذار وتجادلوا فيه، وقالوا: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟! وماروا في صدق لوط حتى نزل بهم العذاب.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٥٢)مصدر غير محدد٧/٤٥٢: أي ولقد حذرهم لوط عليه السلام بطشة الله ونقمته وعذابه قبل وقوعه، فلم يلتفتوا إلى تحذيره بل شكوا فيه وماروا واستهزأوا بنذره وتكذيبهم.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٠١)مصدر غير محدد١٧/١٠١: البطشة: الأخذ الشديد بالعنف والقهر؛ والتماري: تفاعل من المرية وهي الشك والجدال بالباطل؛ أي تجادلوا بالشك وأعرضوا عن اليقين.
وفي التحرير والتنوير: التماري يتضمن الشك والجدال المكابر؛ فالأمر كان واضحاً ولكنهم تكلفوا الجدال بالباطل ليدافعوا به شهواتهم وظنونهم الفاسدة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَقَدْ}: الواو واو القسم، اللام واقعة في جواب القسم، قد حرف تحقيق.
{أَنذَرَهُم}: أنذر فعل ماض مبني على الفتح الظاهر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على لوط عليه السلام، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول، والميم للجمع، والإنذار الإبلاغ مع التخويف والترهيب.
{بَطْشَتَنَا}: مفعول به ثان لأنذر منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف، و(نا) ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه يعود على العظمة الإلهية؛ والبطشة المرة الواحدة من البطش، وهو الأخذ العنيف الشديد بسطوة وقهر.
{فَتَمَارَوْا}: الفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب، تماروا فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، وتفاعل هنا تفيد تداول الشك والمجادلة الباطلة فيما بينهم.
{بِالنُّذُرِ}: الباء حرف جر للصلة والتعلق، النذر اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة، والجار والمجرور متعلق بالفعل تماروا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ثم عاد ليبين جذور استحقاقهم لهذا العذاب: أنهم لم يؤخذوا على غرة، بل سبق عذابهم إنذار صريح ببطشة الله: {وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا}.
ولكن موقفهم كان الشك والجدال: {فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ}؛ مما يقطع عذرهم ويثبت عدالة الانتقام الرباني منهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك داء (التماري) والشك الممنهج:
الشك المذموم في القرآن ليس الشك الفطري العارض الذي يزول بالدليل، بل هو (التماري)؛ أي استمراء الشك والمجادلة المستمرة للهروب من استحقاقات الحق؛ فقوم لوط كانوا يعلمون صدق نبيهم، ولكن قبول نبوته يقتضي ترك فواحشهم وتحريم شهواتهم، فماروا وشككوا في العذاب ليمددوا لأنفسهم في الغي.
عظمة البطشة الإلهية: إضافة البطشة إلى نون العظمة {بَطْشَتَنَا} تخلع القلوب؛ فإذا بطش الجبار بأمة فما عسى أن يمنعها من الهلاك؟!