تصف الآية الكريمة الضربة القاضية والصاعقة الإلهية التي أهلكت ثمود في لحظة واحدة؛ حيث صاح بهم جبريل عليه السلام صيحة هائلة تقطعت منها قلوبهم في صدورهم، فماتوا وبادوا حتى صاروا كيبيس الشجر المتكسر تحت أقدام المواشي.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٢٤)مصدر غير محدد٢٢/٥٢٤ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد في قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ}: قال: صاح بهم جبريل عليه السلام صيحة واحدة من السماء، ورجفت بهم الأرض من تحتهم، فتقطعت قلوبهم وزهقت أنفسهم في ساعة واحدة، {فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} قال: الهشيم هو ما تهشم وتكسر من يبيس الشجر والشوك والزرع، والمحتظر هو الذي يبني الحظيرة من الشجر والشوك لغنمه وإبله لتقيها الريح والذئاب، فتجف تلك العيدان في الحظيرة وتتكسر وتدوسها الغنم بأرجلها وتتطاير، فصاروا أمواتاً صرعى متفتتين كيبيس تلك الحظيرة المتهشمة المتفتتة.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٥١)مصدر غير محدد٧/٤٥١: أي ما كان إهلاكهم إلا بصوت واحد صاح بهم الملك صرخة قاصمة، فبادوا عن آخرهم ولم يبق منهم داع ولا مجيب، وصاروا كالشجر اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة ليحظر به على مواشيه، فيتكسر ويتهافت تحت الحوافر والأقدام.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٩٩)مصدر غير محدد١٧/٩٩: المحتظِر: افتعل من الحظيرة، وهو صانع الحظيرة للغنم من يبيس الشجر؛ والهشيم: كل شيء كان رطباً فجف وتفتت وتكسر؛ وقرأ الجمهور: {الْمُحْتَظِرِ} بكسر الظاء على أنه اسم فاعل (صاحب الحظيرة)، وقرئ بفتح الظاء {الْمُحْتَظَرِ} على أنه اسم مكان (الحظيرة ذاتها) أو اسم مفعول.
وفي التحرير والتنوير: وصف الصيحة بـ{وَاحِدَةً} لإفادة كمال القدرة؛ فما احتاج إهلاك أمة نحتت الجبال إلى جيوش ولا أسلحة ولا أيام، بل صيحة صوتية واحدة خاطفة جعلت جثثهم هشاماً مفتتاً لا حراك به.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّا}: إن حرف توكيد ونصب، و(نا) اسمها.
{أَرْسَلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا، و(نا) فاعل، والجملة في محل رفع خبر إن.
{عَلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلق بالفعل أرسلنا.
{صَيْحَةً}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والصيحة الصوت الشديد القاصم الهائل الذي ينخلع له القلب.
{فَكَانُوا}: الفاء عاطفة سببية، كانوا فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمها.
{كَهَشِيمِ}: الكاف حرف جر وتشبيه، هشيم اسم مجرور بالكاف وهو مضاف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر كان؛ والهشيم ما تهشم وتفتت ويبس من نبات وشجر وعظام.
{الْمُحْتَظِرِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو اسم فاعل من احْتَظَرَ؛ أي بانِي الحظيرة للماشية من يابس الحطب والشوك.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبلغ التباين الصادم بين قوة ثمود ونهايتها المزرية!
كانوا ينحتون من الجبال الشاهقة بيوتاً فارهين آمنين بقوة صخرية خارقة.
فما كانت نهايتهم؟ هل هدمت الجبال فوقهم؟ كلا! بل أرسل الله عليهم سلاحاً صوتياً مجرداً: {صَيْحَةً وَاحِدَةً}.
فإذا بتلك الأجسام العاتية والقبائل الجبارة تتحول في لحظة إلى فتات يابس حقير مهان: {كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} كالقش اليابس الذي تدوسه الدواب بأرجلها!
هذا التقابل النظمي يسحق كل كبرياء بشري، ويبرهن على سهولة إهلاك أعتى القوى على الله تعالى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التأثير الفيزيائي للموجات الصوتية القاتلة (الصيحة):
أثبت العلم الحديث والفيزياء الصوتية أن الموجات فوق الصوتية والترددات الصوتية ذات الشدة الهائلة تمتلك طاقة تدميرية خارقة تفجر الأوعية الدموية الداخلية، وتحدث نزيفاً صاعقاً في الرئتين والقلب والدماغ، وتفتت الأنسجة الحيوية في ثوانٍ معدودة دون أن تهدم الحوائط والصخور؛ وهذا عين ما وصفه القرآن في إهلاك ثمود؛ ماتوا في بيوتهم في الجبال جاثمين متفتتي الأكباد كالهشيم دون أن تنهدم بيوتهم المنحوتة في الصخر!
عدالة العقوبة: قابل الله صياحهم وتجرؤهم على نبي الله بالصيحة الربانية القاصمة، فخرس كل صوت وطمست معالم طغيانهم.
التشبيه التمثيلي في غاية الروعة والإهانة {كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ}: لم يشبههم بالهشيم في الغابة بل بهشيم الحظيرة؛ لأن يبيس الحظيرة تدوسه الأغنام بأظلافها، وتختلط به روثها، ويتفتت ويذروه الريح؛ وهذا تمثيل يفيض بالتحقير والمهانة لأولئك الذين استعلوا وتجبروا وتفاخروا بأنسابهم.
نكتة التعبير بـ{وَاحِدَةً}: إظهار استهانة الخلق بالقدرة الإلهية؛ فلم يتطلب الأمر تدريجاً ولا جيوشاً؛ صيحة واحدة لا ثانية لها كانت كفيلة بمسح أمة كاملة من الخريطة.
الإشارة التدبرية: الدنيا وحطامها وزينتها مهما ازدهرت فمصيرها إلى الهشيم؛ فكم من جبار شيد القصور وصار هو وقصوره كهشيم المحتظر تذروه الرياح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الخوف من مباغتة القضاء الإلهي: تذكير الإنسان بأن بين عافيته وهلاكه قد لا يكون إلا لحظة وصيحة خاطفة؛ فالواجب ملازمة الاستغفار والتوبة في كل آن.
كسر صنمية القوة العمرانية: عدم الانخداع بناطحات السحاب والحصون العسكرية والتقدم التكنولوجي للأمم البعيدة عن الله؛ فصيحة واحدة قادرة على شل مفاصلها وجعلها ركاماً.
التواضع لجلال الرب العظيم: استشعار العظمة الإلهية والافتقار التام لمولانا الحق، والخضوع لسلطانه الذي خضعت له الرقاب وذلت له الجبابرة.